|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
محمد باسم صلى الله عليه وسلم
يهود بنى النضير يثيرون
قريشا والجزيرة العربية كلها لحرب المسلمين :
عاد السلام والأمن، وهدأت الجزيرة
العربية بعد الحروب والبعثات التي استغرقت أكثر من سنة كاملة، إلا أن اليهود الذين
كانوا قد ذاقوا ألوانا من الذلة والهوان نتيجة غدرهم وخيانتهم ومؤامرتهم ودسائسهم،
لم يفيقوا من غيهم، ولم يستكينوا ولم يتعظوا بما أصابهم نتيجة الغدر والتآمر، فبعد
نفيهم إلى خيبر ظلوا ينتظرون ما يحدث للمسلمين نتيجة المناوشات التي كانت قائمة
بين المسلمين والوثنيين، ولما تحول مجرى الأيام لصالح المسلمين وتمخضت الليالي
والأيام عن بسط نفوذهم، وتوطد سلطانهم، تحرق هؤلاء اليهود أي تحرق، وشرعوا في
التآمر من جديد على المسلمين، وأخذوا يعدون العدة، لتهيئة ضربة إلى المسلمين تكون
قاتلة لا حياة بعدها، ولما لم يكونوا يجدون في أنفسهم جرأة على مناورة المسلمين
مباشرة، خططوا لهذا الغرض خطة رهيبة.
خرج عشرون رجلا من زعماء اليهود وسادات
بني النضير إلى قريش بمكة، يحرضونهم على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم ويوالونهم
عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، وقريش قد أخلفت وعدها في
الخروج إلى بدر، فرأت في ذلك إنقاذ سمعتها والبر بكلمتها. ثم خرج هذا الوفد، إلى
غطفان، فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشا، فاستجابوا لذلك، ثم طاف الوفد في قبائل
العرب يدعوهم إلى ذلك، فاستجاب له من استجاب، وهكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في
تأليب أحزاب الكفر على النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته والمسلمين.
وفعلا خرجت من الجنوب قريش وكنانة
وحلفاؤهم من أهل تهامة ـ وقائدهم أبو سفيان ـ في أربعة آلاف، وقابلهم بنو سليم بمر
الظهران، وخرجت من الشرق قبائل غطفان: بنو فزارة يقودهم عيينة بن حصن، وبنو مرة
يقودهم الحارث بن عوف، وبنو أشجع يقودهم مسعر بن رخيلة، كما خرجت بنو
أسد وغيرها.
واتجهت هذه الأحزاب، وتحركت نحو المدينة
على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه.
وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عرمرم
يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل، جيش ربما يزيد عدده على جميع من في المدينة من النساء
والصبيان والشباب والشيوخ.
وصول خبر الأحزاب
إلي المسلمين وحفر الخندق :
تحرك نحو المدينة جيش الأحزاب الذي يبلغ
عدده عشرة آلاف مقاتل، ولو بلغت هذه الأحزاب والجنود المجندة إلى أسوار المدينة
بغتة، لكانت أعظم خطر على كيان المسلمين، ولكن قيادة المدينة كانت قيادة متيقظة،
لم تزل واضعة أناملها على العروق النابضة، تتجسس الظروف، وتراقب الأوضاع.
فلم تكد تتحرك هذه الجيوش عن مواضعها حتى نقلت
استخبارات المدينة إلى قيادتها فيها بهذا الزحف الخطير. وسارع رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري أعلى، تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان
المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى، اتفقوا على قرار قدمه الصحابي
النبيل سلمان الفارسي رضي الله عنه. قال سلمان: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس
إذا حوصرنا خندقنا علينا ، وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك، ولما
كانت المدينة تحيط بها الحرات والجبال وبساتين من النخيل من كل جانب سوى الشمال،
وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يعلم كخبير عسكري حاذق أن زحف مثل هذا الجيش الكبير ومهاجمة المدينة لا يمكن
إلا من جهة الشمال، فاتخذ الخندق في هذا الجانب.
وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلي تنفيذ هذه الخطة فوكل إلي كل عشرة رجال حفر أربعين ذراعا.من الخندق.
صعوبات وبشريات
أثناء حفر الخندق :
قام المسلمون بجد ونشاط يحفرون الخندق،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم ويساهمهم في عملهم هذا، فعن أنس قال: خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة
باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم. فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وعن البراء بن عازب قال: رأيته صلى
الله عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير
الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب، ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
قال: ثم يمد بها صوته بآخرها.(الألى:
الذين)
كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم
يقاسون من شدة الجوع، ما يفتت الأكباد، قال أنس: (كان أهل الخندق) يؤتون بملء كفين
من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة (أي زيت زنخ متغير الطعم) توضع بين يدي القوم،
والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن.
وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
حجرين.
وبهذه المناسبة وقع في حفر الخندق آيات من أعلام
النبوة، رأى جابر بن عبدالله في النبي صلى الله عليه وسلم جوعا شديدا، فذبح شاة
صغيرة كانت عنده، وطحنت امرأته صاعا من شعير، ثم التمس من رسول الله صلى الله عليه
وسلم سرا أن يأتي في نفر من أصحابه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا أهل
الخندق، إن جابرا قد صنع لكم طعاما فهلموا مسرعين، وأدخلهم عشرة عشرة ، وهم ألف،
فأكلوا من ذلك الطعام وشبعوا، وبقيت القدر ملآنة باللحم كما هي، وبقي العجين يخبز
كما هو.
وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق
ليتغدى أبوها وخالها، فمرت برسول الله فطلب منها التمر ونثره فوق ثوب، ثم دعا أهل
الخندق فجعلوا يأكلون منه، وجعل التمر يزيد حتى شبع أهل الخندق منه، وإنه يسقط من
أطراف الثوب.
وأعظم من هذين ما رواه البخاري عن جابر
قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم
فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر ـ
ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقا ـ فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب فعاد
كثيبا أهيل أو أهيم. (أي صار رملا لا يتماسك).
وقال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت
لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة، وقال: الله أكبر، أعطيت
مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر،
فقال الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب
الثالثة فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن،
والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني.
جيش المشركين يحاصر
المدينة :
واصل المسلمون عملهم في حفر الخندق،
فكانوا يحفرونه طول النهار، ويرجعون إلى أهليهم في المساء، حتى تكامل الخندق حسب
الخطة المنشودة، قبل أن يصل الجيش الوثني إلى أسوار المدينة.
وأقبلت قريش في أربعة آلاف، حتى نزلت
بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزعابة وأقبلت غطفان، ومن تبعهم من أهل نجد في
ستة آلاف حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد.
{ولما رأي المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله
ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} [ 22.33].
وأما المنافقون وضعفاء النفوس فقد
تزعزعت قلوبهم لرؤية هذا الجيش {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا
الله ورسوله إلا غرورا} [12.33].
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في
ثلاثة آلاف من المسلمين فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع فتحصنوا به، والخندق بينهم وبين
الكفار. وكان شعارهم: "هم لا ينصرون"، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم
وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في حصون المدينة.
ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام
المدينة، وجدوا خندقا عريضا يحول بينهم وبينها، فالتجأوا إلى فرض حصار على
المسلمين، بينما لم يكونوا مستعدين له حين خرجوا من ديارهم، إذ كانت هذه الخطة ـ
كما قالوا: مكيدة ما عرفتها العرب، فلم يكونوا أدخلوها في حسابهم .
وأخذ المشركون يدورون حول الخندق
غضابا، يتحسسون نقطة ضعيفة؛ لينحدروا منها، وأخذ المسلمون يتطلعون إلى جولات
المشركين، يرشفونهم بالنبل، حتى لا يجترئوا على الاقتراب منه، ولا يستطيعوا أن
يقتحموه، أو يهيلوا عليه التراب، ليبنوا به طريقا يمكنهم من العبور.
وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول
الخندق من غير جدوى في ترقب نتائج الحصار، فإن ذلك لم يكن من طبيعتهم، فخرجت جماعة
فيها عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فقصدوا مكانا ضيقا
من الخندق فاقتحموه، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم
الثغرة التي اقتحموا منها، ودعا عمرو إلي المبارزة فانتدب له علي بن أبي طالب،
وقال كلمة حمي لأجلها ـوكان من شجعان المشركين وأبطالهم ـ فنزل عن فرسه، ثم أقبل
على علي فتجاولا وتصاولا، حتى قتله علي رضي الله عنه، وانهزم الباقون حتى فروا من
الخندق هاربين، وقد بلغ بهم الرعب إلى أن ترك عكرمة رمحه وهو منهزم عن عمرو.
وقد حاول المشركون في بعض الأيام
محاولة بليغة لاقتحام الخندق، أو لبناء الطرق فيها، ولكن المسلمين كافحوا مكافحة
مجيدة، ورشفوهم بالنبل وناضلوهم أشد النضال، حتى فشل المشركون في محاولتهم.
ولأجل الاشتغال بمثل هذه المكافحة
الشديدة فات بعض الصلوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ففي الصحيحين
عن جابر رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، فقال:
يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي صلى الله عيه
وسلم: وأنا والله ما صليتها، فنزلنا مع النبي صلى الله وعليه وسلم بطحان، فتوضأ
للصلاة وتوضأنا لها، فصلي العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب.
وقد استاء رسول الله صلى الله عليه
وسلم لفوات هذه الصلاة حتى دعا على المشركين، ففي البخاري عن علي عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق: ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما
شغلونا عن الصلاة الوسطي حتى غابت الشمس.
ودامت محاولة العبور من المشركين،
والمكافحة المتواصلة من المسلمين أياما، إلا أن الخندق لما كان حائلا بين الجيشين
لم يجر بينهما قتال مباشر وحرب دامية، بل اقتصروا على المراماة بالنبل.
وفي هذه المراماة قتل رجال من الجيشين،
يعدون على الأصابع، ستة من المسلمين وعشرة من المشركين، بينما كان قتل واحد أو
اثنين منهم بالسيف في محاولة عبور الخندق الفاشلة.
وفي هذه المراماة رمي سعد بن معاذ رضي
الله عنه بسهم فقطع منه الأكحل (عرق في الذراع) رماه رجل من قريش يقال له حبان بن
العرقة فدعا سعد: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلى أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا
رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شئ فأبقني لهم؛ حتى أجاهدهم
فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها. وقال في آخر دعائه ولا تمتني
حتى تقر عيني من بني قريظة
يهود بنى قريظة
تخون العهد وتنضم للأحزاب :
بينما كان المسلمون يواجهون الشدائد
على جبهة المعركة، كانت أفاعي الدس والتآمر تتقلب في جحورها، تريد إيصال السم داخل
أجسادهم، انطلق كبير مجرمي بني النضير إلى ديار بني قريظة، فأتى كعب بن أسد القرظي
سيد بني قريظة، وكان قد عاقد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ينصره إذا
أصابته حرب كما هو معلوم، فضرب عليه حيي الباب، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق
دونه باب حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيى ويحك يا كعب افتح لي،
قال: ويحك يا حيى، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه،
ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال: ويحك افتح لي أكلمك قال: ما أنا بفاعل. قال:
والله إن أغلقت الحصن دوني إلا عن جشيشتك (نوع من الطعام يصنع من القمح) أن آكل
منها معك، فأحفظ الرجل (أي أغضبه) ففتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر
وببحر طام (أي ممتلىء) جئتك بقريش على قادتها وساداتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال
من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد
عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، فقال له كعب: جئتني
والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه (أي بسحابة قد أمطرت وفني ماؤها) فهو يرعد
ويبرق ليس فيه شئ، ويحك يا حيى فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا
ووفاء، فلم يزل حيى بكعب حتى أعطاه حيي عهدا من الله وميثاقا، لئن رجعت قريش
وغطفان ولم يصيبوا محمدا، أن يدخل معه في حصنه حتى يصيبه ما سيصيبه. فنقض كعب بن
أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل مع المشركين
في المحاربة ضد المسلمين.
وفعلا قامت يهود بني قريظة بعمليات
الحرب، وحاولوا التعرض لنساء المسلمين وأولادهم؛ فقد كانت صفية بنت عبد المطلب في
فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان فيه مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل
من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله
صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمون في غور عدوهم (أي مواجهتهم) لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إن أتانا آت،
فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل
على عورتنا (أي مكاننا وطريق الدخول إلينا) من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله. قال: والله لقد عرفت ما أنا
بصاحب هذا، قالت: فاحتجزت (أي تجهزت للقتال) ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن
إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن، وقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه، فإنه لم
يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة.
وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة
الرسول صلى الله عليه وسلم أثر عميق في حفظ ذراري المسلمين ونسائهم، ويبدو أن
اليهود ظنوا أن هذه الحصون في منعة من الجيش الإسلامي، مع أنها كانت خالية عنهم
تماما، فلم يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل، إلا أنهم أخذوا يمدون الغزاة
الوثنيين بالمؤن، كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد المسلمين، حتى أخذ المسلمون من
مؤنهم عشرين جملا.
موقف الرسول صلى
الله عليه وسلم من نقض بنى قريظة للعهد :
وصل خبر نقض بني قريظة للعهد إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين فبادر إلى تحقيقه، حتى يستجلي موقف قريظة،
فيواجهه بما يجب من الوجهة العسكرية، وبعث لتحقيق الخبر سعد بن معاذ وسعد بن
عبادة، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير، وقال: انطلقوا حتى تنظروا
أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟
فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه (أي تكلموا بكلام فيه رمز، وكانت تلك الكلمة
عضل والقارة) ولا تفتوا في أعضاد الناس (أي لا تضعفوا عزائمهم) وإن كانوا على
الوفاء فاجهروا به للناس.
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم،
فقد نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا
وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد
بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربي (أي أكثر) من المشاتمة، ثم أقبل
سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه ثم قالوا: عضل
والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين!.
وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم
يكن يحول بينهم وبين قريظة شئ يمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش
عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء
الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما يقول الله تعالى: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت
القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا}
[ 11.10.33]. ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قالوا: كان محمد يعدنا أن نأكل
كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، حتى قال
أحدهم في ملأ من رجال قومه: إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج فنرجع
إلى دارنا فإنها خارج المدينة، وحتى همت بنو سلمة بالفشل، وفي هؤلاء أنزل الله
تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا
وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي
يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا}[33: 12،13].
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم
فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، حتى اشتد على الناس البلاء،
ثم غلبته روح الأمل فنهض يقول: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله
ونصره، ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن، وكجزء من هذه الخطة كان يبعث الحرس إلى
المدينة لئلا يؤتى الأولاد والنساء على غرة، ولكن كان لابد من إقدام حاسم.يفضي إلي
تخاذل الأحزاب، وتحقيقا لهذا الهدف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن
حصن، وإلى الحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، وكلمهما أن يعطيهما ثلث ثمار
المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى
كتبوا الكتاب، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينفذ الاتفاق بعث إلى
سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله
أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟
قال: بل شئ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس
واحد وكالبوكم (أي تجمعوا عليكم) من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر
ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله
وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا
قرى (أي إكراما لضيف) أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك
وبه نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى
يحكم الله بينا وبينهم. قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من
الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا (أي ليفعلوا ما شاءوا).
حيلة نعيم بن مسعود
:
في ذلك الوقت العصيب الذي مر به
المسلمون صنع الله أمرا من عنده خذل به العدو، وهزم جموعهم، ذلك أن رجلا من غطفان
يقال له نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعى ـ رضي الله ـ عنه جاء إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي،
فمرني ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا
(أي ادفع عنا الأعداء) ما استطعت، فإن الحرب خدعة، فذهب من فوره إلى بني قريظة،
وكان صاحبا لهم في الجاهلية، فدخل عليهم وقال: قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني
وبينكم، قالوا: صدقت. قال: فإن قريشا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم
وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا
لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه (أي ساندتموهم) وبلدهم وأموالهم ونساؤهم
بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمدا فانتقم منكم، قالوا فما
العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم مضى نعيم سريعا إلى قريش، وقال لهم:
تعلمون ودي لكم ونصحي لكم؟ قالوا: نعم، قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من
نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم
يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك.
فلما كان ليلة السبت من شوال ـ سنة 5
هـ ـ بعثوا إلى يهود: أنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الكراع (أي الخيل والسلاح)
والخف (أي الإبل) فانهضوا بنا حتى نناجز (أي نقاتل) محمدا، فأرسل إليهم اليهود أن
اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا
نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن. فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش وغطفان:
صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل إليكم أحدا، فاخرجوا معنا
حتى نناجز محمدا، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم، فتخاذل الفريقان ودبت الفرقة بين
صفوفهم، وخارت عزائمهم.
نصر الله لجنده
المؤمنين :
كان المسلمون يدعون الله تعالى:
"اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم
اهزمهم وزلزلهم"
وقد سمع الله دعاء رسوله والمؤمنين،
فبعد أن دبت الفرقة في صفوف المشركين وسرى بينهم التخاذل، أرسل الله عليهم جندا من
الريح، فجعلت تهدم خيامهم، ولا تدع لهم قدرا إلا كفأتها، ولا طنبا (أي وتدا) إلا
قلعته، وأرسل جندا من الملائكة يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف.
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في
تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم.
قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا
عبدالله، أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي.
قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال والله لقد كدنا نجهد، فقال: والله لو أدركناه ما
تركناه يمشى على الأرض ولحملناه على أعناقنا، قال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد
رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم هويا(أي جزءا) من الليل، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر ما فعل
القوم ثم يرجع ـ يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة ـ أسأل الله تعالى
أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة
البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بد من
القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا
تحدثن شيئا حتى تأتينا، فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا،
ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال
حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان.
ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم
والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا
عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار،
ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل.
ثم قام إلى جمله وهو معقول (أي مربوط)
فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى: "أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني" ثم
شئت لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط (أي كساء) لبعض نسائه مراجل (أي عليه نقوش
وزخرفة) فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد وإني لفيه،
فلما سلم أخبرته الخبر.
وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا
راجعين إلى بلادهم.
ولما أصبح المسلمون انصرفوا عن الخندق
راجعين إلى المدينة ووضعوا السلاح.
وكانت غزوة الخندق سنة خمس من الهجرة
في شوال على الأصح، وأقام المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمين شهرا أو نحو شهر، فبداية فرض الحصار كانت في شوال، ونهايته في ذي
القعدة، وعند ابن سعد أن انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق كان يوم
الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.
إن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر؛
بل كانت معركة أعصاب، لم يجر فيها قتال مرير، إلا أنها كانت من أحسم المعارك في
تاريخ الإسلام تمخضت عن تخاذل المشركين، وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا
تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة، لأن العرب لم تكن تستطيع أن
تأتي بجمع أقوى مما أتت به في الأحزاب، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
حين أجلى الله الأحزاب: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم".
