Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه وسلم

بدء إسلام الأنصار :

وفي موسم الحج من سنة 11 من النبوة ـ يوليو سنة 620 م ـ وجدت الدعوة الإسلامية بذورا صالحة ، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات ،اتقي المسلمون في ظلالها الوارفة لفحات الظلم والطغيان طيلة أعوام .

وكان من حكمته صلى الله عليه وسلم إزاء ما كان يلقى من أهل مكة من التكذيب والصد عن سبيل الله ـ أنه كان يخرج إلى القبائل في ظلام الليل ،حتى لا يحول بينه وبينهم أحد من أهل مكة المشركين .

خرج كذلك ليلة ومعه أبو بكر وعلي ، فمر على منازل ذهل وشيبان بن ثعلبة وكلمهم في الإسلام، وقد دارت بين أبى بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة وأجاب بنو شيبان بأرجى الأجوبة غير أنهم توقفوا في قبول الإسلام .

ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقبة منى فسمع أصوات رجال يتكلمون ، فعمدهم حتى لحقهم ، وكانوا ستة نفر من شباب يثرب ، كلهم من الخزرج ، وهم

(1) أسعد بن زرارةة                                    ( من بني النجار )

(2) عوف بن الحارث بن رفاعة ، ابن عفراء ( من بني النجار)

(3) رافع بن مالك بن العجلان            (من بني زريق )

(4) قطبة بن عامر بن حديدة  ( من بني سلمة )

(5) عقبة بن عامر بن نابي   (من بني حرام بن كعب)

(6) جابر بن عبدالله بن رئاب                        ( من بني عبيد بن غنم)

وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون حلفاءهم من يهود المدينة يقولون: إن نبيا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان ، سيخرج فنتبعه ، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم .

فلما لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : من أنتم ، قالوا: نفر من الخزرج ، قال : من موالي اليهود ؟ (أي حلفائهم) قالوا : نعم . قال : أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى .فجلسوا معه ،فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته ، ودعاهم إلى الله عز وجل ، وتلا عليهم القرآن فقال بعضهم لبعض : تعلمون والله يا قوم ، إنه للنبي الذي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا وكانوا من عقلاء يثرب ، أنهكتهم الحرب الأهلية، والتي لا يزال لهيبها مستعرا ، فأملوا أن تكون دعوته سببا لوضع الحرب ، فقالوا : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم الله بك ، فسنقدم عليهم ، فندعوهم إلى أمرك ،ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.

ولما رجع هؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلام ، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

الإسراء والمعراج وفرض الصلاة :

وبينما النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة التي كانت دعوته تشق فيها طريقا بين النجاح والاضطهاد ،وكانت تتراءى نجوم ضئيلة تتلمح في آفاق بعيدة ،وقع حادث الإسراء والمعراج .

وقد اختلف في تعيين زمنه،والراجح أن الإسراء إنما وقع إما قبيل بيعة العقبة الأولى أو بين بيعتي العقبة الأولى والثانية، وفي هذه الحادثة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ، بجسده على الصحيح ،  من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبا على البراق صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام ، فنزل هناك ، وصلى بالأنبياء إماما ، وربط البراق بحلقة باب المسجد ،

وقد حكى النبي صلى الله عليه وسلم تفاصيل تلك الرحلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا فعدت إلى مضجعي؛ فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي؛ فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه، فجلست فأخذ بعضدي، فقمت معه، فخرج بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان يحفز بهما (أي يدفع) رجليه، يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته.

قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى جبريل عليه السلام معه حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء عليهم السلام فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ثم عرج به في تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا ، فاستفتح له جبريل ففتح له ، فرأى هنالك آدم أبا البشر ، فسلم عليه فرحب به ،ورد عليه السلام ، وأقر بنبوته ، وأراه الله أرواح الشهداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن يساره .

ثم عرج به إلى السماء الثانية ، فاستفتح له ، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم ، فلقيهما وسلم عليهما فردا عليه ، ورحبا به ،وأقرا بنبوته .

 ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، فرأى فيها يوسف ، فسلم عليه ،فرد عليه ورحب به وأقر بنبوته .

ثم عرج به إلى السماء الرابعة ، فرأى فيها إدريس ،فسلم عليه ،ورحب به وأقر بنبوته .

ثم  عرج به إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران ، فسلم عليه ، ورحب به ، وأقر بنبوته.

ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى بن عمران ، فسلم عليه ورحب به ، وأقر بنبوته .

فلما جاوزه بكى موسى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : أبكي لأن غلاما بعث من بعدي يدخل من الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي .

ثم عرج إلى السماء السابعة ، فلقي فيها إبراهيم عليه السلام ، فسلم عليه ، ورحب به وأقر بنبوته .

ثم رفع إلى سدرة المنتهى ، ثم رفع له البيت المعمور .

ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله ،فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، وفرض عليه خمسين صلاة ، فرجع حتى مر على موسى ، فقال له : بم أمرك ؟ قال بخمسين صلاة : قال : إن عشيرتك لا تطيق ذلك ، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ،فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار أن نعم ، إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى، وهو في مكانه، فوضع عنه عشرا ، ثم أنزل حتى مر بموسى ،فأخبره ،فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل ،حتى جعلها خمسا ،فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف ، فقال قد استحييت من ربي ، ولكني أرضى وأسلم، فلما بعد نادى مناد : قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي

وقد وقع حادث شق صدره صلى الله عليه وسلم هذه المرة أيضا، وقد رأى ضمن هذه الرحلة أمورا عديدة:

عرض عليه اللبن والخمر فاختار اللبن فقيل: هديت الفطرة  أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك.

 ورأى أربعة أنهار في الجنة نهرين ظاهران ونهران باطنان، والظاهران هما النيل والفرات، ومعنى ذلك أن رسالته ستتوطن الأودية الخصبة في النيل والفرات، وسيكون أهلها حملة الإسلام جيلا بعد جيل، وليس معناه أن مياه النهرين تنبع من الجنة، ورأى مالك خازن النار، وهو لا يضحك، وليس على وجهه بشر وبشاشة وكذلك رأى الجنة والنار.

ورأى أكلة أموال اليتامى ظلما لهم مشافر كمشافر الإبل، يقذفون في أفواههم قطعا من نار كالأفهار(أي كالأحجار) فتخرج من أدبارهم.

ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة، لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن مكانهم، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطئونهم.

ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن، ويتركون الطيب السمين.

ورأى النساء اللاتي يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم، رآهن معلقات بثديهن.

ورأى عيرا من أهل مكة في الإياب والذهاب وقد دلهم على بعير ند لهم (أي تاه) ، وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون ثم ترك الإناء مغطى، وقد صار ذلك دليلا على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء.

قال ابن القيم: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضرارهم عليه، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس فجلاه الله له، حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته، ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا، وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا، وأبى الظالمون إلا كفورا.

فقال أكثر الناس: "هذا والله الإمر البين (الأمر أي العجيب المنكر) والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة.

قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة، فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى هاهو ذاك في المسجد يحدث به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك، فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله فصفه لي، فإني قد جئته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرفع لي حتى نظرت إليه. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر صدقت، أشهد أنك رسول الله. حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق. فيومئذ سماه "الصديق".

بيعة العقبة الأولى :

كان ستة نفر من أهل يثرب قد أسلموا في موسم الحج سنة 11 من النبوة ، وواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إبلاغ رسالته في قومهم.

وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي ـ موسم الحج سنة 12 من النبوة يوليو سنة 621 م ـ اثنا عشر رجلا فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد اتصلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في العام السابق ـ والسادس الذي لم يحضر هو جابر بن عبدالله بن رئاب ـ وسبعة سواهم. وهم:

1 ـ معاذ بن الحارث، ابن عفراء من بني النجار ( من الخزرج )

2 ـ ذكوان بن عبد القيس من بني زريق ( من الخزرج )

3 ـ عبادة بن الصامت من بني غنم ( من الخزرج )

4 ـ يزيد بن ثعلبة من حلفاء بني غنم ( من الخزرج )

5 ـ العباس بن عبادة بن نضلة من بني سالم ( من الخزرج )

6 ـ أبوالهيثم بن التيهان من بني عبد الأشهل ( من الأوس )

7 ـ عويم بن ساعدة من بني عمرو بن عوف ( من الأوس )

الأخيران من الأوس، والبقية كلهم من الخزرج.

اتصل هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى فبايعوه بيعة النساء، أي وفق بيعتهن التي نزلت عند فتح مكة.

روى البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعالوا، بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله، فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعناه على ذلك.

سفير الإسلام في المدينة :

وبعد أن تمت بيعة العقبة الأولى وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء المبايعين أول سفير في يثرب، ليعلم المسلمين فيها شرائع الإسلام، ويفقههم في الدين وليقوم بنشر الإسلام بين الذين لم يزالوا على الشرك، واختار لهذه السفارة شابا من شباب الإسلام من السابقين الأولين، وهو مصعب بن عمير العبدري رضي الله عنه.

نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة وأخذا يبثان الإسلام في أهل يثرب بجد وحماس، وكان مصعب يعرف بالمقرئ، ومن أروع ما يروى من نجاحه في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج به يوما يريد دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، فدخلا في حائط (أي حديقة) من حوائط بني ظفر، وجلسا على بئر يقال لها بئر مرق، واجتمع إليهما رجال من المسلمين ـ وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدا قومهما من بني عبد الأشهل يومئذ على الشرك ـ فلما سمعا بذلك قال سعد لأسيد: اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا.

فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. وجاء أسيد فوقف عليهما متشتما وقال: ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، فقال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن. قال: فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله، ثم قال ما أحسن هذا وأجمله؟ كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟.

قالا له: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين فقام واغتسل، وطهر ثوبه، وتشهد وصلى ركعتين ثم قال: إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما الآن ـ سعد بن معاذ ـ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه، وهم جلوس في ناديهم، فقال سعد: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.

فلما وقف أسيد على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ فقال:كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت.

 وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ـ وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ـ ليخفروك (أي لينقضوا عهدك وينقصوا من قدرك) فقام سعد مغضبا للذي ذكر له، فأخذ حربته وخرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني (أي ما طمعت في ذلك) تغشانا في دارنا بما نكره؟

وقد كان أسعد قال لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فقال مصعب لسعد بن معاذ: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله، ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين ففعل ذلك.

 ثم أخذ حربته، فأقبل إلى نادي قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به.

فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة (أي مبارك النفس والعمل) قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة إلا رجل واحد. وهو الأصيرم،فقد تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم ذلك اليوم وقاتل وقتل، ولم يسجد لله سجدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عمل قليلا وأجر كثيرا"

وأقام مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل، كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر ـ وكانوا يطيعونه ـ فوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة.

وقبل حلول موسم الحج التالي ـ أي حج السنة الثالثة عشر للبعثة ـ عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشائر الفوز، ويقص عليه خبر قبائل يثرب، وما فيها من مواهب الخير، وما لها من قوة ومنعة.

بيعة العقبة الثانية :

في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة ـ يونيو سنة 622 م ـ حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسا من المسلمين من أهل يثرب، جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم ـ وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق ـ حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟

فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية، أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة، حيث الجمرة الأولي من منى، وأن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل.

ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام، يقول كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه: قدمنا.مكة فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا: نعم ـ وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا ـ قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين، يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ قلت: نعم فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للإسلام، فرأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر (يعني أنه اتخذ الكعبة قبلة بدلا من بيت المقدس) فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها؟

قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معنا إلى الشام.

ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد الرسول صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا.

فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي.

قال فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج، ـ وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها ـ إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبي إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.

فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيا، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (أي نساءنا) فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة (أي السلاح)،قد ورثناها كابرا عن كابر.

فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم ابن التيهان، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم (أي القبر والمنزل) أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حارتبم، وأسالم من سالمتم.

بنود بيعة العقبة الثانية ومبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على ما فيها :

وقد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلا، قال جابر: قلنا يا رسول الله علام نبايعك؟ قال:

1 ـ على السمع والطاعة في النشاط والكسل.

2 ـ وعلى النفقة في العسر واليسر.

3 ـ وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

4 ـ وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم.

5 ـ وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.

وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الشروع في عقدها، قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي 11، 12 من النبوة، قام أحدهما تلو الآخر، ليؤكدا للقوم خطورة المسئولية، حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية ويتأكدا من ذلك.

قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال:إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال (أي ذهابها) وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.

قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال:الجنة قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.

وفي رواية جابر قال فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة ـ وهو أصغر السبعين ـ فقال رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله.

وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعة بالمصافحة، قال جابر ـ بعد أن حكى قول أسعد بن زرارة ـ: فقالوا يا أسعد، أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها.

وحينئذ عرف أسعد مدى استعداد القوم للتضحية في هذا السبيل، وتأكد منه، وكان هو الداعية الكبير مع مصعب بن عمير، وبالطبع فكان هو الرئيس الديني على هؤلاء المبايعين.

وبعد ذلك بدأت البيعة العامة، قال جابر: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا البيعة، يعطينا بذلك الجنة.

وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولا، ما صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط.

اختيار اثني عشر نقيبا من الأنصار :

وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتخاب اثني عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسئولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة، فقال للقوم: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومكم بما فيهم.

فتم انتخابهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وهاك أسماؤهم:

نقباء الخزرج:

1 ـ أسعد بن زرارة بن عدس.

2 ـ سعد بن الربيع بن عمرو.

3 ـ عبدالله بن رواحة بن ثعلبة.

4 ـ رافع بن مالك بن العجلان.

5 ـ البراء بن معرور بن صخر.

6 ـ عبدالله بن عمرو بن حرام.

7 ـ عبادة بن الصامت بن قيس.

8 ـ سعد بن عبادة بن دليم.

9 ـ المنذر بن عمرو بن خنيس.

نقباء الأوس:

1 ـ أسيد بن حضير بن سماك.

2 ـ سعد بن خيثمة بن الحارث.

3 ـ رفاعة بن عبد المنذر بن زبير.

ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين.

وقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي ـ يعني المسلمين ـ قالوا: نعم.

قريش تعرف خبر البيعة وتطارد المبايعين :

ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك الانفضاض، اكتشفها أحد الشياطين، وحيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرا ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب؛ قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض، وصاح بأنفذ صوت سمع قط: "يا أهل الأخاشب (أي المنازل) هل لكم في محمد والصباة معه؟ قد اجتمعوا على حربكم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أزب العقبة (اسم شيطان) أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك" ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم.

وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة: "والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا". فقال رسول الله صلى الله عليه: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا.

ولما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان، لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم، فما إن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة. فقد قالوا:

"يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم".

ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئا عن هذه البيعة؛ لأنها تمت في سرية تامة، وفي ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله: ما كان من شئ، وما علمناه، حتى أتوا عبدالله بن أبي بن سلول، فجعل يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا علي مثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني.

أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات

ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين، فرجعوا خائبين.

وعادوا وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر، لكنهم لم يزالوا يتنطسونه (أي يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه) حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح، والبيعة قد تمت فعلا. وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم، فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فطاردوهما، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله (حبل كان يشد به رحله) وجعلوا يضربونه. ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم، إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعا إلى المدينة.

هذه هي بيعة العقبة الثانية ـ التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى ـوقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولاء والتناصر بين أشتات المؤمنين، والثقة والشجاعة والاستبسال في هذا السبيل، فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف في مكة، ويتعصب له ويغضب من ظالمه، وتجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه بالغيب في ذات الله،

ولم تكن هذه المشاعر والعواطف نزعة عابرة تزول على مر الأيام، بل كان مصدرها هو الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه، إيمان لا يزول أمام أي قوة من قوات الظلم والعدوان، إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدة والعمل، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهر أعمالا ويتركوا عليها آثارا خلا عن نظائرها الغابر والحاضر، وسوف يخلو المستقبل.