Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه و سلم

عام الوفود :

كانت غزوة فتح مكة معركة فاصلة، قضت على الوثنية قضاء باتا، عرفت العرب لأجلها الحق من الباطل، وزالت عنهم الشبهات، فتسارعوا إلى اعتناق الإسلام.

قال عمرو بن سلمة: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ أي النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أوحى الله كذا وكذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يقرأ في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح (أي تنتظر فتح مكة لتسلم) فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر (أي سبق) أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقا. فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا .

وهذا الحديث يدل على مدى أثر فتح مكة في تطوير الظروف، وتعزيز الإسلام، وتعيين الموقف للعرب، واستسلامهم، وتأكد ذلك بعد غزوة تبوك، ولذلك نرى الوفود تقصد المدينة في هذين العامين ـ التاسع والعاشر ـ ونرى الناس يدخلون في دين الله أفواجا، حتى إن الجيش الإسلامي الذي كان قوامه عشرة آلاف مقاتل في غزوة الفتح، إذا هو يزخر في ثلاثين ألف مقاتل في غزوة تبوك، قبل أن يمضي على فتح مكة عام كامل، ثم ترى في حجة الوداع بحرا من رجال الإسلام ـ مائة ألف من الناس أو أكثر ـ يموج حول الرسول صلى الله عليه وسلم بالتلبية والتكبير والتسبيح والتحميد، تدوي له الآفاق وترتج له الأرجاء.

والوفود التي سردها أهل المغازي يزيد عددها على سبعين وفدا، كان بعضها قبل الفتح، ولكن غالبها كان بعد الفتح، وكان آخر الوفود وفد نخع الذي جاء في منتصف المحرم سنة إحدى عشرة من الهجرة، وكان قوامه مائتي رجل.

وتتابع هذه الوفود يدل على ما نالت الدعوة الإسلامية من القبول التام، وبسط السيطرة والنفوذ على أنحاء جزيرة العرب وأرجائها، وأن العرب كانت تنظر بنظرة التقدير والإجلال إلى المدينة التي صارت عاصمة فعلية لجزيرة العرب.

وعلى الرغم من هذه الانتصارات الرائعة التي حققتها دولة الإسلام في جزيرة العرب في ذلك الزمن القياسي، إلا أنه كان هناك حمل ثقيل ينتظر من يحمله من المؤمنين الصادقين، وهو تربية كل هؤلاء على أخلاق الإسلام ومبادئه، لأنه لا يمكن أن نقول بأن الدين قد تمكن من نفوس كل الذين أعلنوا إسلامهم، فقد كان وسطهم كثير من الأعراب الجفاة الذين أعلنوا إسلامهم تبعا لسادتهم، ولم تكن أنفسهم قد تطهرت تماما من عادات الجاهلية الفاسدة، ولم تكن تعاليم الإسلام قد هذبت نفوسهم تمام التهذيب.

لذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بعوثا من كبار الصحابة إلى كل ناحية من نواحي الجزيرة العربية، لنشر تعاليم الإسلام وأخلاقه ومبادئه في الناس أجمعين، وخاصة أولئك الذين دخلوا في الإسلام حديثا.

وفد عبد القيس :

كان لهذه القبيلة وفادتان: الأولى سنة خمس من الهجرة أو قبل ذلك، كان رجل منهم يقال له منقذ بن حبان، يرد المدينة بالتجارة، فلما جاء المدينة بتجارته بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلم وذهب بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومه فأسلموا، فتوافدوا إليه في شهر حرام في ثلاثة أو أربعة عشر رجلا، وفيها سألوا عن الإيمان وعن الأشربة، وكان كبيرهم الأشج العصري الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة.

والوفادة الثانية كانت في سنة الوفود، كان عددهم فيها أربعين رجلا، وكان فيهم الجارود بن العلاء العبدي، وكان نصرانيا فأسلم وحسن إسلامه.

وفد دوس :

كانت وفادة هذه القبيلة في أوائل سنة سبع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، وقد قدمنا حديث إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي، وأنه أسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم رجع إلى قومه، فلم يزل يدعوهم إلى الإسلام، ويبطئون عليه، حتى يئس منهم، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب منه أن يدعو على دوس، فقال: اللهم اهد دوسا، ثم أسلم هؤلاء، فوفد الطفيل بسبعين أو ثمانين بيتا من قومه إلى المدينة في أوائل سنة سبع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فلحق به.

وفد صداء :

جاء هذا الوفد عقب انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة 8 هـ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هيأ بعثا من أربعمائة من المسلمين، وأمرهم أن يطأوا ناحية من اليمن فيها صداء، وبينما ذلك البعث معسكر بصدر قناة، علم به زياد بن الحارث الصدائى، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئتك وفدا على من ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي (أي أضمن لك دعوتهم إلى الإسلام) فرد الجيش من صدر قناة وجاء إلى قومه فرغبهم في القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه خمسة عشر رجلا منهم، وبايعوه على الإسلام، ثم رجعوا إلى قومه، فدعوهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة رجل في حجة الوداع.

وفد عذرة :

قدم هذا الوفد في صفر سنة 9هـ، وهم اثنا عشر رجلا فيهم حمزة بن النعمان، قال متكلمهم حين سئلوا من القوم: نحن بنو عذرة، أخوة قصي لأمه، نحن الذين عضدوا (أي ناصروا) قصيا، وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر، لنا قرابات وأرحام، فرحب بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبشرهم بفتح الشام، ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها، فأسلموا وأقاموا أياما ثم رجعوا.

وفد بلي :

قدم في ربيع الأول سنة 9 هـ، وأسلم وأقام بالمدينة ثلاثا، وقد سأل رئيسهم أبو الضبيب عن الضيافة هل فيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة، وسأل عن وقت الضيافة، فقال: ثلاثة أيام، وسأل عن ضالة الغنم، فقال: هي لك أو لأخيك أو للذئب، وسأل عن ضالة البعير، فقال: ما لك وله؟ دعه حتى يجده صاحبه.

وفد ثقيف :

كانت وفادتهم في رمضان سنة 9هـ بعد مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، وقصة إسلامهم أن رئيسهم عروة بن مسعود الثقفي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من غزوة الطائف في ذي القعدة سنة 8 هـ قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم عروة وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتحدث قومه: "إنهم قاتلوك"، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم

وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله.

قتله رجل يقال له أوس بن عوف أخو بني سالم بن مالك، فقالوا لعروة قبل أن تفيض روحه: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي؛ فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم.

فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: "إن مثله في قومه لكمثل صاحب يس في قومه".

ثم قامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم تشاوروا فيما بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب الذين بايعوا وأسلموا، فأجمعوا أن يرسلوا رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموا عبد ياليل بن عمرو، وعرضوا عليه ذلك فأبى، وخاف أن يصنعوا به إذا رجع مثل ما صنعوا بعروة، وقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا، فبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فصاروا ستة فيهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وكان أحدثهم سنا.

فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد، لكي يسمعوا القرآن، ويروا الناس إذا صلوا، ومكثوا يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الإسلام، حتى سأل رئيسهم أن يكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قضية صلح بينه وبين ثقيف، يأذن لهم فيها بالزنا وشرب الخمور و أكل الربا، ويترك لهم صنمهم اللات، وأن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل شيئا من ذلك، فخلوا وتشاوروا، فلم يجدوا محيصا عن الاستسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستسلموا وأسلموا، واشترطوا أن يتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم اللات، وأن ثقيفا لا يهدمونها أبدا، فقبل ذلك، وكتب لهم كتابا، وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، لأنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم الدين والقرآن؛ وذلك أن الوفد كانوا كل يوم يغدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم، فإذا رجعوا ليستريحوا وقت الهاجرة، عمد عثمان بن أبي العاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقرأه القرآن وسأله عن الدين، وإذا وجده نائما عمد إلى أبي بكر لنفس الغرض، (وكان من أعظم الناس بركة لقومه في زمن الردة، فإن ثقيفا لما عزمت على الردة قال لهم: يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلاما، فلا تكونوا أول الناس ردة، فامتنعوا على الردة، وثبتوا على الإسلام).

ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة، وخوفهم بالحرب والقتال، وأظهر الحزن والكآبة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم الإسلام، وترك الزنا والخمر والربا وغيرها وألا يقاتلهم، فأخذت ثقيفا نخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، وقالوا للوفد: ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل، وحينئذ أبدى الوفد حقيقة الأمر، وأظهروا ما صالحوا عليه، فأسلمت ثفيف.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا لهدم اللات، أمر عليهم خالد بن الوليد، فقام المغيرة بن شعبة، فأخذ الكرزين وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض، فارتج أهل الطائف، وقالوا: أبعد الله المغيرة، قتلته الربة، فوثب المغيرة فقال: قبحكم الله، إنما هي لكاع حجارة (أي قذارة حجارة) ومدر (أي قطع طين يابس) ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا أعلى سورها وعلا الرجال، فهدموها وسووها بالأرض حتى حفروا أساسها، وأخرجوا حليها ولباسها، فبهتت ثقيف، ورجع خالد مع رجاله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليها وكسوتها، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، وحمد الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه.

رسالة ملوك اليمن :

بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك قدم كتاب ملوك حمير، وهم الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان بن قيل ذي رعين، وهمدان ومعافر، وأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم مالك بن مرة الرهاوي، بعثوه بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، وكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين فيه ما للمؤمنين وما عليهم، وأعطى فيه المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله إذا أعطوه ما عليهم من الجزية، وأرسل صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن، بث كلا منهما إلى طرف من أطرافها، ووصاهما قائلا: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا"

وقال لمعاذ: إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.

وفد همدان :

قدموا سنة 9 هـ بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا أعطاهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وبعث إلى سائرهم خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام، فأقام ستة أشهر يدعوهم فلم يجيبوه، ثم بعث علي بن أبي طالب، وأمره أن يعيد خالدا، فجاء علي إلى همدان، وقرأ عليهم كتابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعا، وكتب علي ببشارة إسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان.

وفد بني فزارة :

قدم هذا الوفد سنة 9 هـ بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، قدم في بضعة عشر رجلا جاءوا مقرين بالإسلام، وشكوا جدب بلادهم، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فرفع يديه واستسقى، وقال: اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا (مطرا) مغيثا (منقذا ومنجدا) مريحا، مريعا (كثير البركة) طبقا (عاما) واسعا، عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا غرق، ولا محق (أي إهلاك) اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء.

وفد نجران :

ونجران بلد كبير في اليمن، كان يشتمل على ثلاث وسبعين قرية، وكان فيهم مائة ألف مقاتل على دين المسيحية.

وكانت وفادة أهل نجران سنة 9هـ، وقوام الوفد ستون رجلا، منهم أربعة وعشرون من الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران، أحدهم العاقب، كانت إليه الإمارة والحكومة واسمه عبد المسيح، والثاني السيد، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية واسمه الأيهم أو شرحبيل، والثالث الأسقف، وكانت إليه الزعامة الدينية والقيادة واسمه أبوحارثة بن علقمة.

ولما نزل الوفد بالمدينة ولقي النبي صلى الله عليه وسلم، سألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول في عيسى عليه السلام، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك حتى نزل عليه: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}.

ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرهم بقوله في عيسى بن مريم في ضوء هذه الآية الكريمة، وتركهم ذلك اليوم ليفكروا في أمرهم، فأبوا أن يقروا بما قال في عيسى، فلما أصبحوا وقد أبوا عن قبول ما عرض عليهم من قوله في عيسى، وأبوا عن الإسلام، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة (أي الملاعنة، وهو أن يجتمعوا فيدعوا الله عز وجل أن يلعن الكاذب منهم) وأقبل وقد أحضر معه الحسن والحسين وفاطمة ابنته، رضي الله عنهم أجمعين، فلما رأوا منه الجد والتهيؤ خلوا وتشاوروا، فقال كل من العاقب والسيد للآخر: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا (أي نسلنا) من بعدنا، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك، ثم اجتمع رأيهم على تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرهم، فجاءوا وقالوا: إنا نعطيك ما سألتنا، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الجزية، وصالحهم على ألفي حلة (أي كساء) ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله، وترك لهم الحرية الكاملة في دينهم، وكتب لهم بذلك كتابا، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلا أمينا، فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح، ليقبض مال الصلح.

ثم طفق الإسلام يفشوا فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعد ما رجعا إلى نجران، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عليا ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين.

وفد بني حنيفة :

كانت وفادتهم سنة 9هـ، وكانوا سبعة عشر رجلا فيهم مسيلمة الكذاب ـ وهو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث من بني حنيفة ـ نزل هذا الوفد في بيت رجل من الأنصار، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، إلا مسيلمة الكذاب، الذي ظهر منه الاستكبار والطموح إلى الإمارة، فلم يحضر مع سائر الوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم استئلافه بالإحسان بالقول والفعل أولا، فلما رأى أن ذلك لا يجدي فيه نفعا تركه وتوقع منه الشر.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أري قبل ذلك في المنام أنه أتي بخزائن الأرض، فوقع في يده سواران من ذهب، فكبرا عليه وأهماه، فأوحى إليه أن انفخهما، فنفخهما فذهبا، فأولهما (أي فسرهما) كذابين يخرجان من بعده، فلما صدر من مسيلمة ما صدر من الاستكبار عن دين الله ـ وقد كان يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته ـ جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده قطعة من جريد، ومعه خطيبه ثابت بن قيس بن شماس، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك، فقال:لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله (أي ليهلكنك) والله إني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت يجيبك عني، ثم انصرف.

وقد وقع ما تفرس (أي توقع) فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن مسيلمة لما رجع إلى اليمامة بقي يفكر في أمره حتى ادعى أنه أشرك في الأمر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فادعى النبوة، وجعل يسجع السجعات (السجع: اتفاق حروف أواخر الجمل) وأحل لقومه الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبي، وافتتن به قومه فتبعوه، وتجمعوا معه حتى تفاقم أمره.

وفد بني عامر بن صعصعة وهلاك سفهائهم :

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وجبار بن سلمى، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت (أي أقسمت) أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبى (أي تطيع أمري) أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف.

فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني (أي اتخذني خليلا وصاحبا) قال:"لا والله حتى تؤمن بالله وحده". قال: يا محمد خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئا (أي لا يرد جوابا) فلما رأي عامر ما يصنع أربد قال: يا محمد خالني، قال:"لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له". فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا!

 فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفني عامر بن الطفيل".

فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر لأربد: ويلك يا أربد!! أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا! قال:لا أبا لك (كلمة دعاء) لا تعجل على، والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟

وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر، أغدة كغدة البكر (البكر: الفتي من الإبل، والغدة: داء يصيب حلق البعير فيموت منه) في بيت امرأة من بني سلول ؟! (بنو سلول قوم يصفهم العرب باللؤم والدناءة) ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر شاتين (أي في الشتاء) فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله.!

فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله تعالى عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.

وفد تجيب :

قدم هذا الوفد بصدقات قومهم مما فضل عن فقرائهم، وكان الوفد ثلاثة عشر رجلا، وكانوا يسألون عن القرآن والسنن يتعلمونها، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء فكتب لهم بها، ولم يطيلوا البقاء، ولما أجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوا إليه غلاما كانوا خلفوه في رحالهم، فجاء الغلام، وقال: والله ما أعملني من بلادي (أي ما جعلني أتحمل مشقة السفر) إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي، فدعا له بذلك، فكان أقنع الناس، وثبت في الردة على الإسلام، وذكر قومه ووعظهم فثبتوا عليه، وقد التقى أهل الوفد بالنبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى في حجة الوداع سنة 10 هـ.

وفد طيء :

قدم هذا الوفد وفيهم زيد الخيل، فلما كلموا النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه، وسماه زيد الخير.

وفد قبيلة سعد بن بكر :

أرسلت قبيلة سعد بن بكر "ضمام بن ثعلبة" وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامتطى ضمام بعيره حتى دخل المدينة فربطه على باب المسجد، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه.

وكان ضمام رجلا قويا ذا شعر كثيف، وله ضفيرتان، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب! قال: أمحمد؟ قال: نعم

قال: يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك.

 قال: لا أجد في نفسي ، فسل عما بدا لك.

قال: أنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال:اللهم نعم.

قال: فأنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: اللهم نعم.

ثم جعل يذكر فرائض الإسلام وشرائعه على ذلك النحو، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدي الفرائض وأجتنب لما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، وانصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق ذو العقيصتين (أي الضفيرتين) دخل الجنة.

ثم أتى ضمام قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى!! قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون.قال: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه.

قال: فوالله ما أمسى في الحي من ذلك اليوم رجل ولا امرأة إلا مسلما.