Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه و سلم

نقض الكفار لصلح الحديبية :

كان أحد بنود معاهدة الحديبية يفيد أن من أحب أن يدخل في عقد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءا من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق.

وحسب هذا البند دخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخرى، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وثارات في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ووقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من الآخر اغتنمها بنو بكر، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ، فأغاروا على خزاعة ليلا وهم على ماء يقال له "الوتير"، فأصابوا منهم رجالا، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى ألجئوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟

ولما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، وإلى دار مولى لهم يقال له رافع.

وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو جالس في المسجد بين الناس فقال:

يارب إني ناشد محمدا                      حلفنا وحلف أبيه الأتلدا

قد كنتم ولدا وكنا والدا                      ثمة أسلمنا ولم ننزع يدا

فانصر، هداك الله، نصرا أعتدا.          وادع عبادالله يأتوا مددا

فيهم رسول الله، قد تجردا      أبيض مثل البدر، يسمو صعدا

إن سيم خسفا وجهه تربدا                  في فيلق كالبحر يجري مزبدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا      ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وجعلوا لي في كداء رصدا     وزعموا أن لست أدعو أحدا

وهم أذل، وأقل عددا                        هم بيتونا بالوتير هجدا

                                    وقتلونا ركعا وسجدا

(ناشد: مذكر، والأتلد: القديم، والأعتد: الحاضر، سيم خسفا: أراد أحد إذلاله، وتربدا: تغير والمقصود أنه يأبى الظلم، والفيلق: الجيش، زبد البحر: رغوته، والمقصود جيش قوي غضوب، كداء: مكان قريب من مكة، الرصد: المراقب، الوتير: المكان الذي اعتدوا عليهم فيه، وهجدا: مستيقظين)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم، ثم عرضت له سحابة من السماء فقال:إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب.

ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمساندة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة.

أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح :

لا شك أن ما فعلته قريش وحلفاؤها من بني بكر كان غدرا محضا، ونقضا صريحا للميثاق لم يكن له أي مبرر، ولذلك سرعان ما أحست قريش بغدرها، وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة، فعقدت مجلسا استشاريا وقررت أن تبعث قائدها أبا سفيان ممثلا لها؛ ليقوم بتجديد الصلح.

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بما ستفعله قريش إزاء غدرتهم، قال: كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة.

وخرج أبو سفيان حسب ما قررته قريش، فلقي بديل بن ورقاء بعسفان وهو راجع من المدينة إلى مكة، فقال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، قال: أو ما جئت محمدا؟ قال: لا.

فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففته، فرأى فيها النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا.

وقدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، فقال: والله لقد أصابك بعدي شر.

ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمة، وحسن غلام يدب بين يديهما، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبا، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة، فقال: هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس (أي يعلن حماية القرشيين، فيكون التعرض لهم كالتعرض له) فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحينئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان، فقال لعلي بن أبي طالب في هلع وانزعاج ويأس وقنوط: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي، فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني لم أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، وانطلق.

ولما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد على شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، قد أشار علي بشئ صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمدا؟ قال: لا، قالوا: ويلك، إن زاد الرجل على أن لعب بك، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

التهيؤ لفتح مكة ومحاولة الإخفاء :

روى الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عائشة ـ قبل أن يأتي إليه خبر نقض قريش للميثاق بثلاثة أيام ـ أن تجهز أدوات الحرب الخاصة به، ولا يعلم أحد، فدخل عليها أبو بكر، فقال: يا بنية ما هذا الجهاز؟ قالت: والله ما أدري. فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول الله؟ قالت: والله لا علم لي. وفي صباح اليوم الثالث جاء عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا، واستنجد برسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلم الناس بنقض الميثاق، وبعد عمرو جاء بديل ثم أبو سفيان وتأكد عند الناس الخبر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها.

وزيادة في الإخفاء والتعمية، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قوامها ثمانية رجال تحت قيادة أبي قتادة بن ربعي إلى بطن أضم فيما بين ذي خشب وذي المروة على ثلاثة برد (البريد: اثنا عشر ميلا تقريبا) من المدينة، في أول شهر رمضان سنة 8 هـ ليظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار، وواصلت هذه السرية سيرها، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة، فسارت إليه حتى لحقته.

وحدث أن كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها مالا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في قرون رأسها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليا والمقداد، فقال: انطلقا حتى تأتيا روضة خاخ، فإن بها ظعينة (أي مسافرة) معها كتاب إلى قريش، فانطلقا تعادي بهما خيلهما حتى وجدا المرأة بذلك المكان، فاستنزلاها، وقالا: معك كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، ففتشا رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علي: أحلف بالله، ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد منه قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهما، فأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: (من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش) يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال:لا تعجل علي يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت امرءا ملصقا في قريش، لست من أنفسهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا (أي معروفا) يحمون بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدرا، و ما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.

وهكذا أخذ الله العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئهم للزحف والقتال.

الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة :

لعشر ليال خلون من شهر رمضان المبارك سنة 8هـ غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة متجها إلى مكة، في عشرة آلاف من الصحابة رضي الله عنهم، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري.

ولما كان بالجحفة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلما مهاجرا، ثم لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبدالله بن أبي أمية، فأعرض عنهما؛ لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى، فقالت له أم سلمة: لايكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان بن الحارث: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين} فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا،ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} فأنشده أبو سفيان أبياتا منها:

لعمرك إني حين أحمل راية               لتغلب خيل اللات خيل محمد

لكالمدلج الحيران أظلم ليله                 فهذا أواني حين أهدى فأهتدي

هداني هاد غير نفسي ودلني               على الله من طردت كل مطرد

(المدلج: السائر ليلا)

فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد! وقد حسن إسلام أبي سفيان بن الحارث بعد ذلك، ويقال إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم حياء منه.

وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره وهو صائم، والناس صيام، حتى بلغ ماء الكديد فأفطر وأفطر الناس معه، ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران عشاء، فأمر الجيش فأوقدوا النار، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وركب العباس ـ بعد نزول المسلمين بمر الظهران ـ بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وخرج يلتمس لعله يجد بعض الحطابة أو أحدا يخبر قريشا؛ ليخرجوا يستأمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها.

إسلام أبي سفيان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

كان الله قد عمى أخبار المسلمين عن قريش فهم على وجل وترقب، وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار.

قال العباس: والله إني لأسير على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة، حمشتها الحرب (أي خرجوا للحرب غضابا) فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.

قال العباس فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة ؟  فعرف صوتي، فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم، قال: مالك؟ فداك أبي وأمي، قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله.

قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قلت: والله لئن ظفر بك لتضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه.

قال: فجئت به، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله وأنا عليها قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة فسبقت، فاقتحمت عن البغلة (أي نزلت) فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه (أي يكلمه سرا) الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا، قال (أي عمر): مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، فذهبت فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؟ لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغني عني شيئا بعد.

قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ؟ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئا. فقال له العباس: ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق.

قال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن.

وفي ذلك الصباح ـ صباح يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان سنة 8هـ ـ غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل (هو جزء يخرج من الجبل يضيق به الطريق)  حتى تمر به جنود الله فيراها، ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فيقول: ـ مثلا ـ قبيلة سليم، فيقول: مالي ولسليم؟ ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فيقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذا أخبره قال: ما لي ولبني فلان؟ حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق (أي العيون) من الحديد، قال: سبحان الله ياعباس، من هؤلاء؟ قال:هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، قال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذن.

وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا، فلما حاذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال: يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: وما قال ؟ فقال: كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة (أي تجاوز واعتداء) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشا، ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس.

ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال له العباس: النجاء إلى قومك، فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته:يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبح من طليعة قوم.

(الحميت: وعاء السمن، الأحمس: كثير اللحم، طليعة القوم: حارسهم)

قال أبو سفيان: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وقدموا عبيدهم، وقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لقريش شئ كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا.

 فتجمع سفهاء قريش وأخفاؤها (جمع خفيف) مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا المسلمين، وكان فيهم رجل من بني بكر اسمه حماس بن قيس وكان يعد قبل ذلك سلاحا، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى ؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شئ، قال:إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال:

إن يقبلوا اليوم فما لي عله                  هذا سلاح كامل وآله

                        وذو غرارين سريع السلة

(الغرار: حد السيف أو الرمح، وسريع السلة: سريع الخروج للقتل)

فكان هذا الرجل فيمن اجتمعوا في الخندمة لحرب المسلمين.

الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل مكة :

مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه لدخول مكة حتى انتهى إلى ذي طوى، وكان يخفض رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن شعر لحيته ليكاد يمس راحلته، وهناك وزع جيشه، وكان خالد بن الوليد على ميمنة الجيش ـ وفيها قبائل أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب ـ فأمره أن يدخل مكة من أسفلها، وقال: إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا، حتى توافوني على الصفا.

وكان الزبير بن العوام على الميسرة، وكان معه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يدخل مكة من أعلاها من ناحية كداء، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه.

وكان أبو عبيدة على المشاة والحسر (وهم الذين لا سلاح معهم) فأمره أن يأخذ بطن الوادي، حتى يدخل مكة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق التي كلفت الدخول منها، فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا قتلوه، وقتل من أصحابه من المسلمين كرز بن جابر الفهري وخنيس بن خالد بن ربيعة، كانا قد شذا عن الجيش، وسلكا طريقا غير طريقه فقتلهما المشركون، وقابل خالد وأصحابه سفهاء قريش الذين تجمعوا لحرب المسلمين بالخندمة فقتلوا من المشركين اثني عشر رجلا فانهزم المشركون، وانهزم حماس بن قيس ـ الذي كان يعد السلاح لقتال المسلمين ـ حتى دخل بيته، فقال لامرأته أغلقي علي بابي، فقالت: وأين ما كنت تقول ؟ فقال:

إنك لو شهدت يوم الخندمة                 إذ فر صفوان وفر عكرمة

واستقبلتنا بالسيوف المسلمة               يقطعن كل ساعد وجمجمة

ضربا فلا يسمع إلا غمغمة                لهم نهيت خلفنا وهمهمه

                                    لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

(الغمغمة والهمهمة: الصوت غير المفهوم، يعني أصوات أبطال المسلمين في القتال، والنهيت: الزئير)

وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا.

وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون عند مسجد الفتح، وضرب له هناك قبة، فلم يبرح حتى جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرسول يطهر المسجد الحرام  من الأصنام ويعفو عن القرشيين :

نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه (استلم الحجر يعني لمسه وبدأ الطواف من عنده) ثم طاف بالبيت وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} {جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد}. والأصنام تتساقط على وجوهها.

عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها، وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع.

وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرما يومئذ، فاقتصر على الطواف، فلما أكمل الطواف دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ـ يستقسمان بالأزلام (الأزلام سهام كانوا يستشيرون الأصنام بعمل قرعة بينها، والاستقسام أصلا الحلف) فقال: قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قط، ورأى في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصور فمحيت.

ثم أغلق الرسول صلى الله عليه وسلم باب الكعبة عليه وعلى أسامة وبلال، ثم صلى هناك، ثم دار في البيت وكبر في نواحيه، ووحد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفا ينتظرون ماذا يصنع. وكان الباب مرتفعا عن الأرض قليلا، فوقف وأمسك بجانبي الباب وهم تحته، فقال:

لاإله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت قدمي (المأثرة: ما كان العرب يفتخرون به ويتخذونه وسيلة للتكبر) ، إلا سدانة البيت (أي خدمة البيت الحرام) وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد ـ ما كان بالسوط والعصا ـ ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها.

يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة (أي فخر) الجاهلية وتعاظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).

ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم) اذهبوا فأنتم الطلقاء.

رد الأمانات وإعلان شعار الإسلام :

جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد بعد أن أعلن العفو العام ، فقام إليه علي رضي الله عنه، ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا (أي لبني هاشم) الحجابة مع السقاية، صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء. وروي أنه قال له حين دفع المفتاح إليه: خذوها يا بني شيبة خالدة مخلدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. وقال أيضا: يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.

وحانت الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته، فقال أبو سفيان: أما والله لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها، وكان ضحى، فظنها من ظنها صلاة الضحى، وإنما هذه صلاة الفتح.

 وأجارت أم هانئ حموين لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما، فأغلقت عليهما باب بيتها، وسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهما، فقال لها ذلك.

إهدار دماء رجال من أكابر المجرمين :

على الرغم من العفو العام، فقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، ومغنيتان كانتا لابن خطل، كانتا تغنيان بسب النبي صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وهي التي وجد معها الكتاب الذي بعثه حاطب بن أبي بلتعة لكفار قريش قبل الخروج للفتح.

فأما ابن أبي سرح، فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشفع فيه فحقن دمه، وقبل إسلامه، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر، ثم ارتد ورجع إلى مكة.

وأما عكرمة بن أبي جهل ففر إلى اليمن، فاستأمنت له امرأته، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته، فرجع معها وأسلم وحسن إسلامه.

وأما ابن خطل فكان متعلقا بأستار الكعبة، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال: اقتله، فقتله.

وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبدالله، وكان مقيس قد أسلم قبل ذلك، ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، ثم ارتد ولحق بالمشركين.

وأما الحارث بن نفيل فكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقتله علي.

وأما هبار بن الأسود فهو الذي كان قد تعرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت، فطعن ناقتها في جنبها، حتى سقطت زينب على صخرة وأسقطت جنينها، ففر هبار يوم فتح مكة، ثم أسلم وحسن إسلامه.

وأما المغنيتان فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى، فأسلمت، كما استؤمن لسارة وأسلمت.

إسلام والد أبي بكر الصديق :

لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى قال أبو قحافة لابنة من أصغر ولده: أي بنية اظهري بي على جبل أبي قبيس، وكان قد كف بصره، فأشرفت به عليه، فقال: أي بنية ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك مقبلا ومدبرا، قال: أي بنية ذلك الوازع، يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها. ثم قالت: قد والله انتشر السواد، فقال: قد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فانحطت به وتلقته الخيل قبل أن يصل إلى بيته.

 فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى إليه أنت.

فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له: أسلم، فأسلم، فدخل به أبو بكر وكأن رأسه ثغامة (وهو نبت شديد البياض، شبه شيبته به) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا من شعره.

إسلام صفوان بن أمية، وفضالة بن عمير :

لم يكن صفوان ممن أهدر دمه، لكنه بصفته زعيما كبيرا من زعماء قريش خاف على نفسه وفر، فاستأمن له عمير بن وهب الجمحي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنه، وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة ليعطيها لصفوان ليصدق كلامه، فلحقه عمير وهو يريد أن يركب البحر من جدة إلى اليمن فرده، فعرض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام، فقال له: اجعلني بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر، ثم أسلم صفوان، وقد كانت امرأته أسلمت قبله، فأقرهما على النكاح الأول ولم يعقد لهما عقدا جديدا.

وكان فضالة رجلا جريئا، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الطواف ليقتله، فلما دنا منه قال رسول صلى الله عليه وسلم: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول:

قالت هلم إلى الحديث فقلت لا  ...يأبى عليك الله والإسلام

لو ما رأيت محمدا وقبيله                   بالفتح يوم تكسر الأصنام

لرأيت دين الله أضحى بينا     والشرك يغشى وجهه الإظلام

تخوف الأنصار من بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة :

لما تم فتح مكة على الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وهي بلده ووطنه ومولده ـ قال الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها، والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو على الصفا رافعا يديه، فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شئ يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم.

إسلام أهل مكة :

حين فتح الله مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين تبين لأهل مكة الحق، وعلموا أن لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فخضعوا له، واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا.

ولما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها، لما صنعت بحمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا، فبايع عمر النساء.

على أن لا يشركن بالله شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تسرقن. فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من ماله هنات (أي القليل) ؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال: وإنك لهند؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك.

فقال: ولا يزنين، فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن. فقالت: ربيناهم صغارا، وقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال: ولا يأتين ببهتان (أي بباطل وافتراء) فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ولا يعصينك في معروف. فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك.

ولما رجعت هند جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور.

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما، يجدد معالم الإسلام، ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الأيام أمرالرسول (ص) أبا أسيد الخزاعي، فجدد أنصاب الحرم (أي حدوده ومعالمه) وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها، ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره.

 هكذا انتهت غزوة فتح مكة، وهي المعركة الفاصلة والفتح الأعظم الذي قضى على كيان الوثنية قضاء باتا، لم يترك لبقائها مجالا ولا مبررا في ربوع الجزيرة العربية، فقد كانت عامة القبائل تنتظر ماذا يتمخض عنه العراك والاصطدام الذي كان دائرا بين المسلمين والوثنيين، وكانت تلك القبائل تعرف جيدا أن الحرم لا يسيطر عليه إلا من كان على الحق، وكان قد تأكد لديهم هذا الاعتقاد الجازم قبل نصف القرن حين قصد أصحاب الفيل هذا البيت فأهلكوا وجعلوا كعصف مأكول.

وكان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس به وكلم بعضهم بعضا، وناظره في الإسلام، وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام، حتى إن عدد الجيش الإسلامي الذي لم يزد في الغزوات السالفة على ثلاثة آلاف إذا هو يزخر في هذه الغزوة في عشرة آلاف.

وهذه الغزوة الفاصلة فتحت أعين الناس، وأزالت عنها آخر الستور التي كانت تحول بينها وبين الإسلام، وبهذا الفتح سيطر المسلمون على الموقف السياسي والديني كليهما معا في طول جزيرة العرب وعرضها، فقد انتقلت إليهم الصدارة الدينية والزعامة الدنيوية.

فالطور الذي كان قد بدأ بعد هدنة الحديبية لصالح المسلمين قد تم وكمل بهذا الفتح المبين، وبدأ بعد ذلك طور آخر كان لصالح المسلمين تماما، وكان لهم فيه السيطرة على الموقف تماما، ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيعتنقوا الإسلام، ويحملوا دعوته إلى العالم، وقد تم استعدادهم لذلك في سنتين آتيتين.

هدم باقي أصنام الجزيرة العربية :

لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى صنم العزى، لخمس ليال بقين من شهر رمضان ( سنة 8هـ) ليهدمها، وكانت بمكان يسمى بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وهي أعظم أصنامهم، وكان بنو شيبان هم خدامها، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسا حتى انتهى إليها، فهدمها، ولما رجع سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت شيئا؟ قال: لا، قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها، فرجع خالد متغيظا قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشزة الرأس (أي منفوشة الشعر) فجعل السادن (أي الخادم) يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين (أي فقطعها) ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا.

ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى صنم سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل برهاط، وعلى ثلاثة أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمنع، قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك، فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.

وفي نفس الشهر بعث الرسول صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا إلى صنم مناة، وكانت بالمشلل عند قديد، وهي صنم للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال:أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك (أي هيا انتقمي منهم) فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئا.

ولما رجع خالد بن الوليد من عند العزى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان من نفس السنة ( 8هـ) إلى بني جذيمة، داعيا إلى الإسلام لا مقاتلا، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا:أسلمنا، فجعلوا يقولون: "صبأنا صبأنا" (كان المشركون يسمون من يسلم بالصابئ لأنه ترك الوثنية إلى الإسلام) فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيرا، فأمر يوما أن يقتل كل رجل أسيره، فأبي عبد الله بن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا له، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ـ مرتين ـ.

وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فودى لهم قتلاهم (أي أعطاهم الدية) وما ذهب منهم، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك، فبلغ صلى الله عليه وسلم فقال: مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان أحد ذهبا، ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي و لا روحته.