Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه و سلم

سرية أبان بن سعيد إلى نجد :

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أكثر من كل قائد عسكري أن إخلاء المدينة تماما بعد انقضاء الأشهر الحرم ليس من الحزم قطعا، بينما الأعراب ضاربة حولها تطلب غرة المسلمين للقيام بالنهب والسلب وأعمال القرصنة، ولذلك أرسل سرية إلى نجد لإرهاب الأعراب، تحت قيادة أبان بن سعيد، بينما انصرف هو إلى خيبر، وقد رجع أبان بن سعيد بعد قضاء ما كان واجبا عليه، فوافى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وقد افتتحها.

 وأبان هذا هو ابن سعيد بن العاص بن أمية، وكان إسلامه بعد غزوة الحديبية، وهو الذي كان قد أجار عثمان بن عفان رضى الله عنه في الحديبية، حتى دخل مكة وبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشراف قريش

الاستعداد لغزوة خيبر ووادي القرى في المحرم سنة 7 :

في شمال المدينة المنورة وفي الطريق إلى الشام تقع خيبر وفدك ووادي القرى وتيماء وهي مناطق خصبة، وتتشابك هذه المناطق الأربعة بصلات واسعة مع بدو المنطقة

ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيطر على هذه المنطقة لترتب على ذلك أن تتوسع دائرة نفوذ الدولة، ويصبح الطريق إلى الشام مفتوحا ويقوى اقتصاد الدولة الناشئة، ويسقط السلطان السياسي لمركز من مراكز التجمع ضد المسلمين، وينتهي احتمال من احتمالات خطر التألب.

 وقد اتجه الرسول صلى الله عليه وسلم لتأديب هؤلاء الخصوم بعد أن اطمأن من جهة قريش بالصلح، فأراد أن يحاسب اليهود وقبائل نجد حتى يتم الأمن والسلام ويسود الهدوء في المنطقة، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه.

ولما كانت خيبر هي وكر الدس والتآمر، ومركز الاستفزازات العسكرية ومعدن التحرشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا.

فأهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصالات بالمنافقين ـ الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي ـ وبغطفان وأعراب البادية، وكانوا هم أنفسهم يتهيئون للقتال، فألقوا المسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متواصلة، حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم. وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متوالية، وإلى الفتك برأس هؤلاء المتآمرين، مثل سلام بن أبي الحقيق، وأسير بن زارم، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك، وإنما أبطأوا في القيام بهذا الواجب لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم ـ وهي قريش ـ كانت مجابهة للمسلمين، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين، واقترب لهم يوم الحساب.

وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر.

قال المفسرون: إن خيبر كانت وعدا وعدها الله تعالى بقوله:(وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه) يعني صلح الحديبية، وبالمغانم الكثيرة خيبر.

ولما كان المنافقون وضعفاء الإيمان تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم قائلا (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل، فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا)

فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر، أعلن أن لا يخرج معه إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة. واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري.

وفي ذلك الحين قدم أبو هريرة المدينة مسلما، فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته سار حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واشترك مع المسلمين في تلك الغزوة.

اتصال المنافقين باليهود :

حينما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزو خيبر قام المنافقون يعملون لليهود، فقد أرسل رأس المنافقين عبدالله بن أبي إلى يهود خيبر أن محمدا قصدكم وتوجه إليكم، فخذوا حذركم، ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، عزل لا سلاح معهم إلا قليل، فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم (أي يطلبون منهم المدد) لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين، وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا على المسلمين.

خروج جيش المسلمين إلى خيبر :

سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتجاهه نحو خيبر جبل عصر ثم على الصهباء، ثم نزل على واد يقال له الرجيع، وكان بينه وبين غطفان مسيرة يوم وليلة، فتهيأت غطفان وتوجهوا إلى خيبر، لإمداد اليهود، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حسا ولغطا (أي أصوات مختلطة) فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا، وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر.

ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدليلين اللذين كانا يسلكان بالجيش ليدلاه على الطريق الأحسن حتى يدخل خيبر من جهة الشمال ـ أي جهة الشام ـ فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام، كما يحول بينهم وبين غطفان.

قال أحدهما: أنا أدلك يا رسول الله، فأقبل حتى انتهى إلى مفرق طرق متعددة، وقال: يا رسول الله هذه طرق يمكن الوصول من كل منها إلى المقصد، فأمر أن يسميها له واحدا واحدا، قال: اسم واحد منها حزن فأبى النبي صلى الله عليه وسلم من سلوكه، وقال:اسم الآخر شاش فامتنع منه أيضا، وقال: اسم آخر حاطب فامتنع منه أيضا، فقال الدليل: فما بقي إلا واحد، قال عمر: ما اسمه قال: مرحب، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم سلوكه.

عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا، فقال، رجل من القوم لعامر بن الأكوع: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ ـ وكان عامر رجلا شاعرا ـ فنزل يحدو بالقوم (الحداء لون من الغناء). يقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا                    ولا تصدقنا ولا صلينا

فاغفر فداء لك ما اتقينا                     وثبت الأقدام إن لاقينا

وألقين سكينة علينا                          إنا إذا صيح بنا أبينا

وبالصياح عولوا علينا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع، قال: يرحمه الله، قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به.وكانوا يعرفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد وقد وقع في حرب خيبر.

وفي الطريق أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعوا على أنفسكم (أي ارفقوا بأنفسكم) إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا.

وبالصهباء قريبا من أدنى خيبر صلى العصر، ثم دعا بالأزواد (أي بالطعام) فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري (أي فتت) فأكل وأكل الناس.

حصون خيبر :

كانت خيبر منقسمة على شطرين، شطر فيه خمسة حصون:

1 ـ حصن ناعم.

2 ـ حصن الصعب بن معاذ.

3 ـ حصن قلعة الزبير.

4 ـ حصن أبي.

5 ـ حصن النزار.

والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها ( النطاة) وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى بالشق.

أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة، ففيه ثلاثة حصون فقط:

1 ـ حصن القموص (كان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير)

2 ـ حصن الوطيح.

3 ـ حصن السلالم.

وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الحصون الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها.

التهيؤ للقتال :

بات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبا من خيبر، ولا تشعر بهم اليهود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما صلى الفجر تحرك المسلمون تجاه خيبر، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم (المسحاة: مجرفة من حديد، والمكتل: قفة كبيرة، وهما من أدوات الزراعة) ولا يشعرون، بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا: محمد، والله محمد والخميس (أي الجيش) ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:الله أكبر، خربت خيبر، الله أكبر خربت خيبر.

إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اختار لمعسكره مكانا، فأتاه حباب بن المنذر فقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أنزلكه الله، أم هو الرأي في الحرب؟ قال بل هو الرأي، فقال: يا رسول الله إن هذا المنزل قريب جدا من حصن النطاة، وجميع مقاتلي خيبر فيها، وهم يدرون أحوالنا، ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا. وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن من بياتهم (يقصد الهجوم الليلي) وأيضا هذا بين النخلات، ومكان غائر، وأرض وخيمة (أي ليس فيها نبات لرعي دواب الجيش) لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد نتخذه معسكرا قال صلى الله عليه وسلم: الرأي ما أشرت، ثم تحول إلى مكان آخر.

ولما دنا صلى الله عليه وسلم من خيبر وأشرف عليها قال: قفوا. فوقف الجيش فقال: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن (أقله: حمله) ورب الشياطين وما أضللن، فإنا لنسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا بسم الله.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضى الله عنه برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل فرجع وقد أصابه الإعياء دون أن يفتح، ثم بعث عمر بن الخطاب، فقاتل ثم رجع وقد أصابه الإعياء دون أن يفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضوان الله عليه، وهو أرمد، فتفل في عينيه ثم قال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك!

فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. قال الرسول الكريم: انفذ على رسلك (أي امض على مهل) حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (أغلى أنواع الإبل).

فتح حصون خيبر :

وأول حصن هاجمه المسلمون من هذه الحصون الثمانية هو حصن ناعم، وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاستراتيجي، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بألف.

خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهود إلى الإسلام، فرفضوا هذه الدعوة، وبرزوا إلى المسلمين ومعهم قائدهم مرحب، الذي خرج إلى ميدان القتال ودعا إلى المبارزة يخطر بسيفه وهو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحب                 شاكي السلاح بطل مجرب

                                    إذا الحروب أقبلت تلهب

فبرز له عامر بن الأكوع فقال:

قد علمت خيبر أني عامر                              شاكي السلاح بطل مغامر

فهوى كل منهما بسيفه على الآخر، فوقع سيف مرحب في ترس (أي درع) عامر، وحاول عامر أن يضربه في ساقه، وكان سيفه قصيرا، وتناول به ساق اليهودي ليضربه، فارتد طرف سيفه، فأصاب عين ركبته فمات منه، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إن له لأجرين، وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله.

ويبدو أن مرحبا دعا بعد ذلك إلى المبارزة مرة أخرى، وجعل يرتجز بقوله:

قد علمت خيبر أني مرحب. . . شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الحروب أقبلت تلهب

فبرز له علي بن أبي طالب وراح يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة                كليث غابات كريه المنظرة

                        أوفيهم بالصاع كيل السندرة

(الحيدرة، والليث: الأسد، والسندرة: كيل كبير)

فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه

ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن، وقال: من أنت، فقال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي:علوتم وما أنزل على موسى.

ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني! فقال: بل ابنك يقتله، فقتله الزبير.

ودار القتال المرير أياما حول حصن ناعم، قتل فيه عدة من أشراف اليهود وشجعانهم، فانهارت لذلك مقاومة اليهود، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم.

وكان حصن (الصعب) الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم، قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح هذا الحصن دعوة خاصة.

فقد حدث أن بني سهم من قبيلة أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شئ، فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شئ أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا (الودك: الدسم) فلم تغرب شمس ذلك اليوم حتى فتح الله عز وجل على المسلمين حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه، وكان بنو أسلم في مقدمة الصفوف المهاجمة.

وبعد فتح حصن ناعم والصعب، تحول اليهود من كل حصون النطاة إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصار، وأقام محاصرا ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا (أي ما اهتموا) إن لهم شرابا وعيونا تحت الأرض، يخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك (أي ظهروا لك). فقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد فتح قلعة الزبير انتقل باقي اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيها، وفرض المسلمون عليهم الحصار، وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر بطلب المبارزة، وقد قتلهما أبطال المسلمين، وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء، وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة، واقتحم معه الجيش الإسلامي، وجرى قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول من خيبر.

كان حصن النزار أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل، ولذلك كانوا قد جعلوا في هذه القلعة الذراري والنساء، بينما كانوا قد أخلوهم من القلاع الأربع السابقة.

وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار، وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلا للاقتحام فيه، أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن، للاشتباك مع قوات المسلمين، لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة.

وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصب آلات المنجنيق (أي قاذفات الحجارة) وراح المسلمون يقذفون الحصن بالقذائف، فأوقعوا الخلل في جدرانه، واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن، انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم.

وبعد فتح هذا الحصن المنيع تم فتح الشطر الأول من خيبر، وهي ناحية النطاة والشق، وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه الحصون، وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر.

ولما فتح ناحية النطاة والشق، تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النصف الثاني المعروف بالكتيبة.في الوقت الذي دخل فيه يهود تلك الناحية حصونهم، ودخل معهم كل من كان انهزم من النطاة والشق، وتحصنوا جميعا أشد التحصن.

فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناحية الكتيبة فرض على أهلها حصارا دام أربعة عشر يوما، واليهود لا يخرجون من حصونهم، حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح.

المفاوضات وحيازة الغنائم :

عندما قرر يهود خيبر الاستسلام أرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزل فأكلمك؟ قال: نعم، فنزل وصالح على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلين، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء ـ أي علي الذهب والفضة ـ والكراع والحلقة (السلاح والدروع) إلا ثوبا على ظهر إنسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا، فصالحوه على ذلك. وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين، وبذلك تم فتح خيبر.

وعلي الرغم من هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالا كثيرا وحليا لحيي بن أخطب، كان حمله معه إلى خيبر حين أجليت بنو النضير.

قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن أبي الحقيق، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رجل من اليهود فقال: إني رأيت كنانة يطوف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك ؟ قال: نعم .‍ فأمر بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبي أن يؤديه فدفعه إلى الزبير، وقال عذبه حتى نستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره (أي يضربه بما يشبه العصا) حتى أشرف على نفسه (أي قارب على الموت) ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه ثأرا لمحمود بن مسلمة (وكان محمود قد قتل تحت جدار حصن ناعم، ألقي عليه الرحى وهو يستظل بالجدار فمات).

وذكر ابن القيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابني أبي الحقيق، وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء المال هو ابن عم كنانة.

وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروسا حديثة عهد بالدخول.

وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود من خيبر، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون ليقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر (أي النصف) من كل زرع ومن كل ثمر، وعلى أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجهم في أي وقت.

ويدل على كثرة مغانم خيبر ما رواه البخاري عن ابن عمر قال:ما شبعنا حتى فتحنا خيبر، وما رواه عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر. ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار ما كانوا منحوهم من النخيل بعدما صار لهم بخيبر مال ونخيل.

قتلى الفريقين في معارك خيبر :

جملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلا، أربعة من قريش وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر، والباقون من الأنصار.

 أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلا.

استسلام فدك ووادي القرى وتيماء :

1ـ فدك:

لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، بعث محيصة بن مسعود إلى يهود فدك، ليدعوهم إلى الإسلام، فأبطأوا عليه، فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك، بمثل ما صالح عليه أهل خيبر، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة، لأنه لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب (أي فتحوها دون حرب).

2ـ وادي القرى:

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، انصرف إلى وادي القرى، وكان بها جماعة من اليهود، وانضاف إليهم جماعة من العرب.

فلما نزلوا  هناك استقبلتهم يهود بالرمي، فقتل مدعم وهو عبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة (أي العباءة) التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارا. فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين (الشراك: السير الذي يكون في النعل) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: شراك من نار أو شراكان من نار.

ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعا اليهود إلى الإسلام فأبوا، وبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا، كلما قتل منهم رجل دعا الرسول صلى الله عليه وسلم من بقي إلى الإسلام.

وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم فيصلي بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنمه الله أموالهم، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا.

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، وقسم على أصحابه ما أصاب بها، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها كما عامل أهل خيبر.

3ـ تيماء:

ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فدك ووادي القرى لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح، فقبل ذلك منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بأموالهم، وكتب لهم بذلك كتابا، وهاك نصه:

 هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا (هم أهل تلك المنطقة) إن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد.

قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين :

وفي غزوة خيبر قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الأشعريون أبو موسى وأصحابه.

قال أبو موسى: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه ـ أنا وأخوان لي ـ في بضع وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفرا وأصحابه عنده، فقال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، فأسهم لنا (أي أشركهم في الغنائم) وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم.

ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه وقبله، وقال: والله ما أدري بأيهما أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.

وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، يطلب توجيههم إليه، فأرسلهم النجاشي على مركبين، وكانوا ستة عشر رجلا، معهم من بقي من نسائهم وأولادهم، وبقيتهم جاءوا إلى المدينة قبل ذلك.

زواجه صلى الله عليه وسلم بصفية :

كانت صفية بنت حيي قد جعلت في السبايا حين قتل زوجها كنانة بن أبي الحقيق لغدره، ولما جمع السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي، فقال: يا نبي الله، أعطني جارية من السبي، فقال:اذهب فخذ جارية. فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النضير، لا تصلح إلا لك، قال: ادعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ جارية من السبي غيرها، وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، حتى إذا كان بسد الصهباء راجعا إلى المدينة حلت، فجهزتها له أم سليم بنت ملحان، فأهدتها له من الليل، فأصبح عروسا بها، وأولم عليها بحيس (أي بخليط) من التمر والسمن والسويق، وأقام عليها ثلاثة أيام في الطريق يبني بها.

ورأى بوجهها خضرة، فقال: ما هذا؟ قالت: يا رسول الله، رأيت قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه، وسقط في حجري، ولا والله ما أذكر من شأنك شيئا، فقصصتها على زوجي، فلطم وجهي، وقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة؟

ولما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بات بها في قبة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد متوشحا سيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطوف بالقبة، حتى أصبح رسول الله، فلما رأي مكانه قال: مالك يا أبا أيوب؟ قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك، فيقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني.

أمر الشاة المسمومة :

لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر، وقبل أن ينصرف منها، أهدت له زينب بنت الحارث ـ امرأة سلام بن مشكم ـ شاة مصلية (أي مشوية) وقد سألت: أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها:الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع، فلاك (أي مضغ) منها مضغة، فلم يسغها (أي لم يتقبل طعمها) ولفظها، ثم قال:إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: قلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز عنها.

وكان معه بشر بن البراء بن معرور، أخذ منها أكلة، فأساغها فمات منها، فلما مات بشر قتل الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة قصاصا.

العودة إلى المدينة :

انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر عائدا إلى المدينة، مظفرا منصورا قد أظهره الله على عدوه، ولما كان ببعض الطريق قال من آخر الليل: من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ قال بلال: أنا يا رسول الله أحفظه عليك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلي فصلى ما شاء الله عز وجل أن يصلي ثم استند إلى بعيره، واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مس الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أصحابه استيقاظا، هب فقال: ماذا صنعت بنا يا بلال ؟ قال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: صدقت، ثم اقتاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره غير كثير، ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس.

ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فلما سلم أقبل على الناس فقال: إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {أقم الصلاة لذكرى}.