Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه و سلم

غزوة ذات الرقاع :

لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كسر جناحين قويين من أجنحة الأحزاب الثلاثة ،مشركي قريش واليهود، تفرغ تماما للالتفات إلى الجناح الثالث، أي إلى الأعراب القساة الضاربين في فيافي نجد، والذين مازالوا يقومون بأعمال النهب والسلب بين آونة وأخرى.

ولما كان هؤلاء البدو لا تجمعهم بلدة أو مدينة، ولم يكونوا يقطنون الحصون والقلاع، كانت الصعوبة في فرض السيطرة عليهم وإخماد نار شرهم تماما تزداد بكثير عما كانت بالنسبة إلى أهل مكة وخيبر، ولذلك لم تكن تجدي فيهم إلا حملات التأديب والإرهاب، وقام المسلمون بمثل هذه الحملات مرة بعد أخرى، منها تلك الحملة التأديبية التي عرفت باسم غزوة ذات الرقاع.

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد سمع باجتماع أنمار أو بني ثعلبة وبني محارب من غطفان للإغارة على المدينة، فأسرع بالخروج إليهم في أربعمائة أو سبعمائة من أصحابه، واستعمل على المدينة أبا ذر أو عثمان بن عفان، وسار فتوغل في بلادهم حتى وصل إلى موضع يقال له نخل على بعد يومين من المدينة، ولقي جمعا من غطفان ولم يكن بينهم قتال، إلا أنه صلى بهم يومئذ صلاة الخوف.

وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه (أي نركبه واحدا بعد واحد) فنقبت (أي تقرحت) أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس في العضاة (نوع من الشجر) يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه. قال جابر:فنمنا نومة ؛ فجاء رجل من المشركين فاخترط (أي أخذ) سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتخافني؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال صلى الله عليه وسلم: الله. فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، قال صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال الأعرابي: أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال صلى الله عليه وسلم: فخلى سبيله فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس.

وفي مرجعهم من هذه الغزوة سبوا امرأة رجل من المشركين، فعن جابر بن عبد الله: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق (أي يسيل) في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دما، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فقال: من رجل يكلؤنا (أي يحرسنا) ليلتنا هذه؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل آخر من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: فكونا بفم الشعب. فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن _أكفيكه، أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلى.

وأتى الرجل الذي يبحث عن النبي وأصحابه، فلما رأى شخص الرجل (يقصد خياله) عرف أنه ربيئة القوم (أي طليعتهم وحارسهم) فرمى بسهم فوضعه فيه، فنزعه ووضعه فثبت قائما، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه ووضعه وثبت قائما، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه، فقال: اجلس فقد أثبت (أي جرحت جرحا لا أقوم معه) فوثب، فلما رآه الرجل عرف أن قد نذرا به (أي علموا بوجوده) فهرب.

ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله، أفلا أهببتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها، فلما تابع على الرمي ركعت فآذنتك (أي أعلمتك) وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا (الثغر: المكان الذي يخاف أن يدخل منه العدو) أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها.

وكان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب الأعراب القساة، وإذا نظرنا إلى تفاصيل السرايا بعد هذه الغزوة؛ نرى أن هذه القبائل من غطفان لم تجترئ أن ترفع رأسها بعد هذه الغزوة، بل استكانت شيئا فشيئا حتى استسلمت، بل وأسلمت، حتى نرى عدة قبائل من هذه الأعراب تقوم مع المسلمين في فتح مكة، وتغزو حنينا، وتأخذ من غنائمها، ويبعث إليها المصدقون (أي القائمون على جمع الزكاة)  فتعطي صدقاتها بعد الرجوع من غزوة الفتح، فبهذا تم كسر الأجنحة الثلاثة التي كانت ممثلة في الأحزاب وساد المنطقة الأمن والسلام، واستطاع المسلمون بعد ذلك أن يسدوا بسهولة أي خلل يحدث في بعض المناطق من بعض القبائل، بل بعد هذه الغزوة بدأت التمهيدات لفتوح البلدان والممالك الكبيرة، لأن داخل البلاد كانت الظروف قد تطورت لصالح الإسلام والمسلمين.