|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
محمد صلى الله عليه و سلم
عمرة
القضاء :
لما هل ذو القعدة
استعد صلى الله عليه وسلم لأداء العمرة، فأمر أصحابه أن يعتمروا قضاء للعمرة التي
منعتهم قريش من إتمامها، وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من
استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان.
واستخلف على
المدينة عويف أبا رهم الغفاري، وساق ستين بدنة (وهي ما يساق من الأنعام للذبح في
الحرم) وجعل عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وأحرم للعمرة من ذي الحليفة، ولبى ولبى
المسلمون معه، وخرج مستعدا بالسلاح والمقاتلين، خشية أن يقع من قريش غدر، فلما بلغ
يأجج وضع الأسلحة كلها، وخلف عليها أوس بن خولي الأنصاري في مائتي رجل، ودخل بسلاح
الراكب والسيوف في أغمادها.
وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم عند الدخول راكبا على ناقته القصواء، والمسلمون متوشحي السيوف،
محدقين برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون.
وخرج المشركون إلى
جبل قعيقعان ـ الجبل الذي في شمال الكعبة ـ ليروا المسلمين، وقد قالوا فيما بينهم:
إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن
يرسلوا الأشواط الثلاثة (أي يطوفوا بتمهل) وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن
يأمرهم أن يرسلوا الأشواط كلها إلا الإبقاء على قواهم، ليري المشركين قوته، كما
أمرهم بالاضطباع، أي أن يكشفوا المناكب اليمنى، ويضعوا طرفي الرداء على اليسرى.
ودخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم مكة من الثنية التي تطلعه على الحجون ـ وقد صف المشركون ينظرون
إليه ـ فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمحجنة، قال ابن عباس:
صفوا له عند دار
الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد
اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة،
ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم
الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود، وعبدالله بن رواحة بين يدي رسول الله
صلى الله عليه وسلم يرتجز متوشحا بالسيف:
خلوا بني الكفار
عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله
قد أنزل الرحمن في
تنزيله في صحف تتلي على رسوله
يارب إني مؤمن
بقيله إني رأيت الحق في قبوله
بأن خير القتل في
سبيله اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام
عن نصيله ويذهل الخليل عن خليله
(الهام: الرءوس،
والنصيل: مفصل ما بين الرأس والرقبة)
وفي حديث أنس: فقال
عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر؟
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خل عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح (أي رمي)
النبل.
ورمل (الرمل: الهرولة
في الطواف) رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ثلاثة أشواط، فلما رآهم
المشركون قالوا: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد (أي أقوى) من
كذا وكذا.
ولما فرغ من
الطواف سعى بين الصفا والمروة، فلما فرغ من السعي، وقد وقف الهدي عند المروة، قال:هذا
المنحر وكل فجاج مكة منحر، فنحر عند المروة وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، ثم بعث
ناسا إلى يأجج، فيقيموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقفون نسكهم، ففعلوا.
وقد تزوج رسول
الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو محرم، وكان الذي زوجه
إياها العباس بن عبد المطلب.
فأقام رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا، فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش، في
اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة،
فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك (أي المدة المتفق عليها) فاخرج عنا، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعت لكم طعاما
فحضرتموه، قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا.
فخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف، فبني بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك ثم انصرف إلى المدينة.
قال ابن هشام
فأنزل الله عز وجل: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء
الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون، فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك
فتحا قريبا}.
وسميت هذه العمرة
بعمرة القضاء؛ إما لأنها كانت قضاء عن عمرة الحديبية، أو لأنها وقعت حسب المقاضاة
أي المصالحة التي وقعت في الحديبية.
