Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه و سلم

تجمع حملة جديدة ضد المسلمين { غزوة حنين } :

جاء فتح مكة عقب ضربة خاطفة دهش لها العرب، وبوغتت القبائل المجاورة بالأمر الواقع الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولذلك لم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وفي مقدمتها بطون هوازن وثقيف، واجتمعت إليها قبائل نصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال ـ وكلها من قيس عيلان ـ رأت هذه البطون من نفسها عزا وأنفة أن تقابل هذا الانتصار بالخضوع، فاجتمعت إلى مالك بن عوف النصري، وقررت المسير إلى حرب المسلمين.

ولما أجمع القائد العام ـ مالك بن عوف ـ المسير إلى حرب المسلمين ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فسار حتى نزل بأوطاس

فاجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة ـ وهو شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان شجاعا مجربا ـ قال دريد: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس (الحزن: المرتفع من الأرض، والدهس: الذي فيه حجارة محددة) ولا سهل دهس (أي لين كثير التراب) مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصبي وثغاء الشاء ؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم، فدعا مالكا وسأله عما حمله على ذلك، فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم سأل عن بعض البطون والرؤساء، ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن (المقصود جماعتهم) إلى نحور الخيل شيئا (النحور: الرقاب، والمعنى إنك تقدمهم إلى الهلاك) ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم، ثم الق الصباة (كانوا يسمون المسلمين بذلك لأنهم خرجوا عن الوثنية) على متون الخيل (أي ظهورها) فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك (المقصود إن هزمت حدث ذلك وقد صنت أهلك ومالك).

ولكن مالكا ـ القائد العام ـ رفض هذا الطلب قائلا: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعني هوازن أو لأتكأن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون للشيخ فيها ذكر أو رأي، فقالوا: أطعناك. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني.

وجاءت إلى مالك جواسيس كان قد بعثهم للاستكشاف عن المسلمين، وجاءت هذه الجواسيس وقد أصابهم الرعب، قال: ويلكم ما شأنكم ؟ قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق (هي التي في لونها بياض وسواد) والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى.

خروج جيش المسلمين لصد الأعداء :

في يوم السبت، السادس من شهر شوال سنة 8هـ، غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ليقاتل المشركين المتجمعين في هوازن ـ وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله في مكة ـ خرج في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة، وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام. وذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن عند صفوان بن أمية أدراعا له وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلحق فيه عدونا غدا، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية ومضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، وسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفيهم حملها لهم ففعل.

واستعمل الرسول صلى الله عليه وسلم على مكة عتاب بن أسيد.

وفي وقت العشاء جاء فارس لجيش المسلمين فقال: إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم (يعني نساءهم) ونعمهم وشائهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله، وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مرثد الغنوي.

 وفي طريقهم إلى حنين رأوا شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، كانت العرب تعلق عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها ويعكفون، فقال بعض أهل الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال:الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إنها السنن (أي الطريقة والنهج) لتركبن سنن من كان قبلكم.

وقد كان بعضهم نظر إلى كثرة الجيش الإسلامي فقال: لن نغلب اليوم من قلة، وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

انكسار مفاجئ للمسلمين :

انتهى الجيش الإسلامي إلى حنين ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن عوف قائد المشركين قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كمائنه في الطرق والمداخل، والشعاب والأخباء والمضايق، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ثم يشدوا شدة رجل واحد.

وفي وقت السحر عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه، وعقد الألوية والرايات وفرقها على الناس، ومع تباشير الصبح استقبل المسلمون وادي حنين، وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي، فبينا هم ينحدرون إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فانشمر المسلمون راجعين (أي جروا منهزمين) لا يلوي أحد على أحد (أي لا ينظر ولا يسأل) وكانت هزيمة منكرة، حتى قال أبو سفيان بن حرب، وهو حديث عهد بالإسلام: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر (يعني الأحمر) وصرخ جبلة بن الجنيد: ألا بطل السحر اليوم.

وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم جهة اليمين وهو يقول:هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبدالله، ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وأهل بيته.

وحينئذ ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها، فقد راح يدفع بغلته قبل الكفار وهو يقول:

أنا النبي لا كذب                 أنا ابن عبد المطلب

بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته، والعباس بركابه، يكفانها، أن لا تسرع.

 ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربه قائلا: اللهم أنزل نصرك.

رجوع المسلمين وهزيمة ساحقة للعدو :

نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربه قائلا: اللهم أنزل نصرك.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس ـ وكان جهير الصوت ـ أن ينادي الصحابة، قال العباس: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ (السمرة: الشجرة التي بايع المسلمون تحتها بيعة الرضوان يوم الحديبية) قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك.

 ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه، فيأخذ درعه وسيفه، ويقفز عن بعيره ويخلي سبيله، فيتجه ناحية الصوت، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا.

وصرفت الدعوة إلى الأنصار: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى، واقتتل الفريقان قتالا شديدا، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال عندئذ فقال: "الآن حمي الوطيس" (أي المعركة).

ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب الأرض، فرمى بها في وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه تراب من تلك القبضة، فلم يزل حدهم كليلا وأمرهم مدبرا (حد كليل:لا يقطع، وهو كناية عن ضعف المشركين).

وما هي إلا ساعات قلائل ـ بعد رمي القبضة ـ حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وقتل من ثقيف وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح ونساء.

وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)

عن عبدالله بن أبي بكر:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة وهى حازمة وسطها ببرد لها (أي رداء) وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزها الجمل (أي يغلبها) فأدنت رأسه منها فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام (الخزام حلقة من جلد أو غيره تجعل في أنف البعير ليعلق فيه الخطام أي اللجام) فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم سليم؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل (أي مستحقون) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو يكفي الله يا أم سليم؟ قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به (أي شققت بطنه به) يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول الرميصاء؟! (كنية أم سليم رضي الله عنها)

ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري، فتناوش الفريقان القتال قليلا، ثم انهزم جيش المشركين، وفي هذه المناوشة قتل القائد أبو عامر الأشعري.

وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة، فأدركت شيخهم دريد بن الصمة، فقتله ربيعة بن رفيع.

وأما معظم فلول المشركين الذين لجأوا إلى الطائف؛ فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه بعد أن جمع الغنائم.

والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ـ وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسن الإسلام حين أسلم ـ وهو آخذ بثغر بغلته فقال: من هذا؟ قال: أنا ابن أمك يا رسول الله.

الغنائم :

كانت الغنائم في غزوة حنين لا تحصى، فمن السبي ستة آلاف رأس، ومن الإبل أربعة وعشرون ألفا، ومن الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، بالإضافة إلى أربعة آلاف أوقية فضة.

 أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع كل تلك الغنائم، ثم حبسها بالجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف.

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون عليها (أي مزدحمون) فقال: ما هذا؟ قالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا (أي أجيرا أو عبدا).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: إن قدرتم على بجاد ـ رجل من بني سعد بن بكر ـ فلا يفلتنكم، وكان قد أحدث حدثا (أي فعل جرما) فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء بنت الحارث السعدية أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنفوا عليها وهم يأخذونها، فقالت للمسلمين: تعلمون؟ والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما جاءوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت له نفسها، فعرفها بعلامة فأكرمها، وبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها وقال: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك (أي أعطيك ما تحبين من مال وغيره) وترجعي إلى قومك فعلت، فقالت: تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها.

فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له مكحول وجارية، فزوجتهما، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية.

غزوة الطائف :

هذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول الهاربين من هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام ـ مالك بن عوف النصري ـ وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم في الجعرانة، في نفس الشهر ـ شوال سنة 8هـ.

وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، فمر في طريقه على النخلة اليمانية، ثم على قرن المنازل، ثم على لية، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه، ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف فنزل قريبا من حصنه وعسكر هناك، وفرض الحصار على أهل الحصن.

ودام الحصار مدة غير قليلة، ففي رواية أنس أن مدة حصارهم كانت أربعين يوما.

ووقعت في هذه المدة مراماة ومقاذفات، فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميا شديدا حتى أصيب ناس من المسلمين بجراح، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مكان مسجد الطائف اليوم فعسكروا هناك.

ونصب النبي صلى الله عليه وسلم المنجنيق (أي قاذف الحجارة) على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شدخة (أي شرخ) في جدار الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة (كانت دبابتهم آنذاك من خشب، والناس في جوفها يدفعونها جهة الحصن ليهدموه) ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد (أي قطع الحديد) محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالا.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام ـ أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا، فسألته ثقيف أن يدعها لله والرحم، فتركها لله والرحم.

ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلاثة وعشرون، رجلا فيهم أبو بكرة ، تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقي عليها، فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبا بكرة"، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يعتني به، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة.

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق وهو محاصر ثقيفا: يا أبا بكر، إني رأيت أني أهديت لي قعبة (أي قدح) مملؤة زبدا فنقرها ديك فهراق (أي سكب) ما فيها. فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا لا أرى ذلك.

ثم إن خويلة بنت حكيم السلمية، وهى امرأة عثمان قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان، أو حلي الفارعة بنت عقيل ـ وكانتا من أكثر نساء ثقيف حليا ـ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة ؟ فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال:أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله؟ قال:لا.

ولما طال الحصار، واستعصى الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال وبسكك الحديد المحماة ـ وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة ـ استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلي فقال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك، وحينئذ عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولانفتح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغدوا على القتال، فغدوا فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا (أي أطاعوا) وجعلوا يرحلون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.

ولما ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون.

وقيل: يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال:اللهم اهد ثقيفا وآت بهم .

قسمة غنائم غزوة حنين :

لما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رفع الحصار عن الطائف؛ مكث بالجعرانة بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، و يتأنى بها، يبتغى أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين، فيعيد إليهم ما أخذ منهم، ولكنه لم يجئه أحد، فبدأ بقسمة المال، ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطى وحظي بالأنصبة العظيمة.

وأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية من الفضة ومائة من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ فأعطاه مثلها، فقال: ابني معاوية؟ فأعطاه مثلها، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى، فأعطاه إياها. وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل ثم مائة ثم مائة، وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وكذلك أعطى رجالا من رؤساء قريش وغيرها مائة مائة من الإبل، وأعطى آخرين خمسين خمسين وأربعين أربعين، حتى شاع في الناس أن محمدا يعطى عطاء من لا يخاف الفقر، فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة، فاختطفت عنه رداؤه فقال: أيها الناس ردوا على ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان عندى عدد شجر تهامة نعما (أي ماشية) لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا.

ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين إصبعه، ثم رفعها فقال: أيها الناس، والله مالي من فيئكم (أي الغنائم) ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم.

وبعد إعطاء المؤلفة قلوبهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بإحضار باقي الغنائم والناس، ثم قسمها على الناس، فكان لكل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارسا أخذ اثني عشر بعيرا أو عشرين ومائة شاة.

وإنما قسم رسول الله تلك القسمة تأليفا لقلوب الذين أسلموا حديثا.

موقف الأنصار من توزيع الغنائم :

كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حكمة من توزيع الغنائم بالطريقة التي رأيناها ،وهذه السياسة لم تفهم أول الأمر، فأطلقت ألسنة شتى بالاعتراض، وكان الأنصار ممن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة، لقد حرموا جميعا أعطية حنين، وهم الذين نودوا وقت الشدة فطاروا يقاتلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تبدل الفرار انتصارا، وهاهم أولاء يرون أيدي الفارين ملأى، وأما هم فلم يمنحوا شيئا قط.

روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شئ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:

يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم، وجدة (أي غضب) وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة (أي غير أغنياء) فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلي، الله ورسوله أمن (أي أكثر منة وهي النعمة) وأفضل.

ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل، قال: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك (أي أعطيناك).

أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (أي بقية يسيرة) من الدنيا تألفت بها قوما (أي استملت قلوبهم) ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا (الشعب: الطريق بين جبلين) وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار.

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم (أي بللوها بدمعهم) وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا.

قدوم وفد هوازن :

بعد توزيع غنائم غزوة حنين أقبل وفد هوازن مسلما، وهم أربعة عشر رجلا، على رأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فسألوه أن يمن عليهم بالسبي والأموال، وأدلوا إليه بكلام ترق له القلوب، فقال: إن معي من ترون، وإن أحب الحديث إلى أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقال: إذا صليت الغداة ـ أي صلاة الظهر ـ فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلينا سبينا، فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقال بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال العباس بن مرداس: وهنتموني (أي أضعفتموني)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء القوم قد جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت سبيهم (أي أبطأت في توزيع سبيهم) وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهن شئ فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم، وله بكل فريضة (أي سهم أو نصيب) ست فرائض من أول ما يفئ الله علينا، فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم (أي رؤساؤكم) أمركم، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد ذلك، وكسا رسول الله صلى الله عليه وسلم السبي قبطية قبطية.

(والقبطية رداء فاخر).

وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد هوازن عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروا مالكا أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل. فأتي مالك بذلك فخرج إليه من الطائف، وقد كان مالك خاف ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما قال فيحبسوه، فأمر براحلته فهيئت له، وأمر بفرس له فأتي به إلى الطائف فخرج ليلا فجلس على فرسه، فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس، فركبها فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه.

العمرة والانصراف إلى المدينة :

لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قسمة الغنائم في الجعرانة أهل معتمرا منها، فأدى العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعا إلى المدينة بعد أن ولى على مكة عتاب بن أسيد، وكان رجوعه إلى المدينة لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة 8 هـ.