|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
الرسول صلى الله عليه و سلم
الرعيل الأول:
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يستجيب لأمر الله فاخذ
يدعو إلي عبادة الله وحده ونبذ الأصنام، ولكنه كان يدعو إلى ذلك سرا حذرا من وقع
المفاجأة علي قريش التي كانت متعصبة لشركها ووثنيتها، فلم يكن عليه السلام يظهر
الدعوة في المجالس العمومية لقريش، ولم يكن يدعو إلا من كانت تشده
إليه صلة قرابة أو معرفة سابقة.
وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم
الإسلام أولا على ألصق الناس به وآل بيته ، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام ،ودعا
إليه كل من توسم فيه خيرا ممن يعرفهم ويعرفونه ، يعرفهم بحب الحق والخير ويعرفونه
بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول
صلى الله عليه وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره جمع عرفوا في التاريخ الإسلامي
بالسابقين الأولين ،وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين خديجة
بنت خويلد ،ومولاه زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي وابن عمه علي بن أبي طالب ـ وكان صبيا يعيش في كفالة الرسول ـ وصديقه الحميم أبو بكر الصديق . أسلم هؤلاء
في أول يوم من أيام الدعوة .
ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام ،وكان رجلا مؤلفا
محببا سهلا ، ذا خلق ومعروف ،وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لعلمه بالأنساب
ولتجارته ، ولحسن مجالسته ، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يأتيه ويجلس إليه ،
فأسلم بدعوته عثمان بن عفان الأموي ، والزبير بن العوام الأسدي ،وعبد الرحمن بن
عوف ، وسعد بن أبي وقاص الزهريان ، وطلحة بن عبيد الله التيمي . فكان هؤلاء النفر
الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام .
ومن أوائل المسلمين بلال بن رباح الحبشي ، ثم تلاهم
أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن
الجراح من بني الحارث بن فهر ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، والأرقم بن أبي الأرقم
المخزوميان ،وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله ، وعبيدة بن الحارث بن المطلب
بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوي ،وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن
الخطاب ،وخباب بن الأرت وعبد الله بن مسعود الهذلي وخلق سواهم، وأولئك هم السابقون
الأولون ،وهم من جميع بطون قريش وعدهم ابن هشام أكثر من أربعين نفرا
ثم دخل الناس في الإسلام رجالا ونساء حتى فشا ذكر
الإسلام بمكة، وتحدث به.
أسلم هؤلاء سرا وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يجتمع
بهم ويرشدهم إلى الدين متخفيا ؛ لأن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية ، وكان الوحي
قد تتابع وحمى نزوله بعد نزول أوائل المدثر ،وكانت الآيات وقطع السور التي تنزل في
هذا الزمان آيات قصيرة ، ذات فواصل رائعة منيعة ،وإيقاعات هادئة خلابة، تتناسق مع
ذلك الجو الهامس الرقيق ، تشتمل على تحسين تزكية النفوس ،وتقبيح تلويثها برذائل
الدنيا، تصف الجنة والنار كأنهما رأى عين ، تسير بالمؤمنين في جو آخر غير الذي كان
فيه المجتمع البشري آنذاك
الصلاة :
كان في أوائل ما نزل في الإسلام الأمر بالصلاة ، قال
مقاتل بن سليمان: فرض الله في أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى
،لقوله تعالى : ( وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار)
وعن زيد بن حارثة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في
أول ما أوحي إليه أتاه جبريل ، فعلمه الوضوء ، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء
فنضح بها فرجه ،وكان ذلك من أول الفريضة .
وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه على بن أبي طالب مستخفيا من أبيه
ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما
شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله
صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عم، هذا
دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم بعثني الله به رسولا إلى
العباد، وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه، فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن
أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت
خبر الدعوة يصل إلي قريش إجمالا :
ترامت أنباء الدعوة إلى قريش فلم تعرها اهتماما ،ولعلها
حسبت محمدا صلى الله عليه وسلم أحد أولئك الديانين الذين يتكلمون في الألوهية
وحقوقها ، كما صنع أمية بن أبي الصلت ،وقس بن ساعدة ،وعمرو بن نفيل وأشباههم ، إلا
أنها توجست خيفة من ذيوع خبره وامتداد أثره ،وأخذت ترقب على الأيام مصيره ودعوته .
وظل النبي صلي الله عليه وسلم يدعو إلي الإسلام سرا مدة
ثلاث سنوات.
