Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

الرسول صلى الله عليه وسلم

 استعداد قريش لكف الحجاج عن استماع الدعوة :

وخلال هذه الأيام أهم قريشا أمر آخر ، وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم، فرأت أنه لا بد من كلمة يقولوها للعرب في شأن محمد صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في تلك الكلمة ، فقال لهم الوليد: أجمعوا فيه رأيا واحد ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت فقل ،قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن . قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن(أي الكلام بكلام غير مسموع) ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخنقه ولا تخالجه (أي اضطرابه) ولا وسوسته . قالوا: فنقول: شاعر . قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا : فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ،وإن أصله لعذق(أي نخلة)0وإن فرعه لجناة (أي مثمر)، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ،وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا : ساحر . جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه ،وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فتفرقوا عنه بذلك .

وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه ،فجلسوا بسبل الناس حين قدموا موسم الحج، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره .

والذي تولى كبر ذلك هو أبو لهب ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع الناس إذا وافي الموسم في منازلهم وفي عكاظ ومجنة وذي المجاز ، يدعوهم إلى الله ، وأبو لهب وراءه يقول : لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب .وأدى ذلك إلى أن عرفت العرب من ذلك الموسم  بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .

أساليب قريش لمجابهة الدعوة :

ولما رأت قريش أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يصرفه عن دعوته هذا ولا ذاك فكروا مرة أخرى واختاروا لقمع هذه الدعوة أساليب تتلخص فيما يأتي:

1 ـ السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك، قصدوا بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي صلى الله عليه وسلم بتهم هازلة، وشتائم سفيهه فكانوا ينادونه بالمجنون( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) [15:6]

ويصفونه بالسحر والكذب (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب) [38:4] وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ناقمة، وعواطف منفعلة هائجة (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون) [68:51] وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزأوا بهم وقالوا: هؤلاء جلساؤه الذين من الله عليهم من بيننا (أي تفضل عليهم) فرد الله تعالى عليهم: ( أليس الله بأعلم بالشاكرين) [6:53] وكانوا كما قص الله علينا (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين ) [83: 29: 30: 31: 32:33].

2 ـ تشويه تعاليمه وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة حول هذه التعاليم، وحول ذاته وشخصيته، والإكثار من كل ذلك بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته، فكانوا يقولون عن القرآن:( أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) [5:25] (إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) [ 4:25] وكانوا يقولون (إنما يعلمه بشر) [103:16 ] وكانوا يقولون عن الرسول صلى الله عليه وسلم (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق) [7:25[ وفي القرآن نماذج كثيرة للردود على سفاهاتهم

3 ـ معارضة القرآن بأساطير الأولين، وشغل الناس بها عنه، فقد ذكروا أن النضر بن الحارث قال مرة لقريش: يا معشر قريش ‍والله لقد نزل بكم أمر ما أوتيتم له بحيلة بعد. لقد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر. لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن لا والله ما هو بكاهن. لقد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم وقلتم: شاعر. لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته، ولا تخليطه يا معشر قريش فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.

ثم ذهب النضر إلى الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم وأسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا للتذكير بالله والتحذير من نقمته خلفه النضر، ويقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار ثم يقول بماذا محمد أحسن حديثا مني.

وكان النضر قد اشترى قينات، فكان لا يسمع برجل مال إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا سلط عليه واحدة منهن، تطعمه وتسقيه، وتغني له، حتى لا يبقى له ميل إلى الإسلام وفيه نزل قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ) [31:6].

4 ـ مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض ما هو عليه (ودوا لو تدهن فيدهنون )[9:68] فلقد عرض المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم عاما، ويعبدون ربه عاما. وقالوا: لو قبلت آلهتنا نعبد إلهك.

ذات مرة اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو يطوف بالكعبة ـ الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمي ـ وكانوا ذوي شأن في قومهم ـ فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ماعبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولى دين}إلي آخر السورة .

وحسم الله مفاوضتهم المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة.

الاضطهادات :

أعمل المشركون الأساليب السابقة شيئا فشيئا لكف الدعوة بعد ظهورها في بداية السنة الرابعة من النبوة، ومضت على ذلك أسابيع وشهور وهم مقتصرون على هذه الأساليب لا يتجاوزونها إلى طريق الاضطهاد والتعذيب ،ولكنهم لما رأوا أن هذه الأساليب لا تجدي لهم نفعا في كف الدعوة الإسلامية اجتمعوا مرة أخرى ، وكونوا منهم لجنة أعضاؤها خمسة وعشرون رجلا من سادات قريش ، رئيسها أبو لهب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد التشاور والتفكر اتخذت هذه اللجنة قرارا حاسما ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وضد أصحابه ، فقررت أن لا تألو جهدا في محاربة الإسلام ،وإيذاء رسوله ،وتعذيب الداخلين فيه  ، والتعرض لهم بألوان من النكال والإيلام .

اتخذوا هذا القرار وصمموا على تنفيذه. أما بالنسبة إلى المسلمين ـ ولا سيما المستضعفين منهم ـ فكان ذلك سهلا جدا ،. وأما بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان رجلا شهما وقورا ذا شخصية فذة ، تتعاظمه نفوس الأعداء والأصدقاء ، بحيث لا يقابل مثلها إلا بالإجلال والتشريف ،ولا يجترئ على اقتراف الدنايا والرذائل ضده إلا أراذل الناس وسفهاؤهم ، ومع ذلك  كان في منعة أبي طالب وأبو طالب من رجال مكة المعدودين ، كان معظما في أصله ، معظما بين الناس ، فما يجسر أحد على النيل من النبي صلى الله عليه وسلم وهو تحت حمايته

إن هذا الوضع أقلق قريشا وأقامهم وأقعدهم ،ولكن إلام هذا الصبر الطويل أمام دعوة تتشوف إلى القضاء على زعامتهم الدينية وصدارتهم الدنيوية .

وبدأوا الاعتداءات ضد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم أبو لهب ، فقد اتخذ موقفه هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول قبل أن تهم قريش بذلك، وقد علمنا ما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم في مجلس بني هاشم ،وما فعل على الصفا وما صنع في موسم الحج ليصد عن سبيل الله.

وكان أبو لهب قد زوج ولديه عتبة وعتيبة ببنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية وأم كلثوم قبل البعثة ، فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنف وشدة  حتى طلقاهما .

ولما مات عبدالله ـ الابن الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ  استبشر أبولهب وهرول إلى رفقائه يبشرهم بأن محمدا صار أبتر .

وكانت امرأة أبي لهب ـ أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان ـ لا تقل عن زوجها في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بابه ليلا ، وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها ، وتطيل  عليه الافتراء والدس ، وتؤجج نار الفتنة ،وتثير حربا  شعواء على النبي صلى الله عليه وسلم ،ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب .

ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ،ومعه أبو بكر الصديق ،وفي يدها فهر ( أى بمقدار ملء الكف) من حجارة ،فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر ، فقالت يا أبا بكر ! أين صاحبك ؟ قد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، أما والله إني لشاعرة . ثم قالت :

 مذمما عصينا     وأمره أبينا     ودينه قلينا

ثم انصرفت فقال أبو بكر : يا رسول الله أما تراها رأتك ؟ فقال : ما رأتني ، لقد أخذ الله ببصرها عني .

كان أبو لهب يفعل كل ذلك وهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاره ، كان بيته ملتصقا ببيته، كما كان غيره من جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذونه وهو في بيته .

قال ابن إسحاق :كان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته أبا لهب ،والحكم ابن أبي العاص بن أمية ،وعقبة بن أبي معيط ،وعدي بن حمراء الثقفي ، وابن الأصداء الهذلي ـ وكانوا جيرانه ـ لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص ، فكان أحدهم يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاة وهو يصلي ، وكان أحدهم يطرحها في برمته (أي القـدر) إذا نصبت له ، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا ليستتر به منهم إذا صلى ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به في عودته، فيقف به على بابه ، ثم يقول : يا بني عبد مناف ! أي جوار هذا ؟  ثم يلقيه في الطريق .

وازداد عقبة بن أبى معيط في شقاوته وخبثه ، فقد روى البخاري عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجئ بسلا جزور بني فلان (أي مشيمة الناقة) فيضعه على ظهر محمد إذا سجد فانبعث أشقى القوم ( وهو عقبة بن أبي معيط ) فجاء به فنظر ، حتى إذا سجد النبي لله وضعه على ظهره بين كتفيه ،وأنا أنظر لا أغني شيئا ، لو كانت لي منعة ، قال : فجعلوا يضحكون ، ويحيل بعضهم على بعض ( أي يتمايل بعضهم على بعض مرحا وبطرا ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد ، لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة ، فطرحته عن ظهره ، فرفع رأسه ثم قال اللهم عليك بقريش ثلاث مرات ، فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم ، وقال : وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة ثم سمى اللهم عليك بأبي جهل ،وعليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط ـ وعد السابع فلم يحفظه ـ فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذي عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب ، قليب بدر .

وكان أمية بن خلف إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه وفيه نزل :) ويل لكل همزة لمزة ) قال ابن هشام : الهمزة : الذي يشتم الرجل علانية ،ويكسر عينيه ، ويغمز به واللمزة : الذي يعيب الناس سرا ويؤذيهم .

أما أخوه أبي بن خلف فكان هو وعقبة بن أبي معيط متصافيين وجلس عقبة مرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه فلما بلغ ذلك أبيا أنبه وعاتبه وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ، وأبي بن خلف نفسه فت عظما رميما ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وكان الأخنس بن شريق الثقفي ممن ينال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وصفه القرآن بتسع صفات تدل على ما كان عليه ، وهي في قوله تعالى  (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم ) [13.12.11.1068.:]

وكان أبو جهل يجئ أحيانا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه القرآن ،ثم يذهب عنه فلا يؤمن ولا يطيع ،ولا يتأدب ولا يخشى ،ويؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول ،ويصد عن سبيل الله ، ثم يذهب مختالا بما يفعل ، فخورا بما ارتكب من الشر ، كأنما فعل شيئا يذكر ، وفيه نزل : (فلا صدق ولا صلى) إلخ وكان يمنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة منذ أول يوم رآه يصلي في الحرم ، ومرة مر به وهو يصلي عند المقام فقال : يا محمد ألم أنهك عن هذا ، وتوعده، فأغلظ  له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره، فقال : يا محمد بأي شئ تهددني ؟أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا ، والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا ،وإني لأعز من مشى بين جبليها فأنزل الله "فليدع ناديه"

 ولم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار ، بل ازداد شقاوة فيما بعد أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال أبوجهل : يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ! فقال واللات والعزى ، لئن رأيته لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ،زعم ليطأ رقبته ، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه ، فقالوا : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهؤلاء أجنحة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.

كانت هذه الاعتداءات بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع ما لشخصيته الفذة من وقار وجلال في نفوس العامة والخاصة ،و مع ما له من منعة أبي طالب أعظم رجل محترم في مكة ، أما بالنسبة إلى المسلمين ـ ولا سيما الضعفاء منهم ـ فإن الإجراءات كانت أقسى من ذلك وأمر ، ففي نفس الوقت قامت كل قبيلة تذيق من دان منها بالإسلام أنواعا من التعذيب ، ومن لم يكن له قبيلة فأجرت عليهم الأوباش والسادات ألوانا من الاضطهاد ، يفزع من ذكرها قلب الحليم .

كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه ،وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال ، والجاه ، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به

 وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحت

ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته وأخرجته من بيته ،وكان من أنعم الناس عيشا ، فتخشف جلده تخشف الحية (أي جف ويبس).

وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي ،فكان أمية يضع في عنقه حبلا ، ثم يسلمه إلى الصبيان ، يطوفون به في جبال مكة ، حتى كان يظهر أثر الحبل في عنقه ، وكان أمية يشده شدا ثم يضربه بالعصا ، وكان يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس ، كما كان يكرهه على الجوع ، وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ، وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك: أحد ، أحد ، حتى مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون ذلك به ، فاشتراه بغلام أسود ، وقيل بسبع أواق أو بخمس من الفضة وأعتقه.

وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه مولى لبني مخزوم ، أسلم هو وأبوه وأمه ، فكان المشركون ـ وعلى رأسهم أبو جهل ـ يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء ، فيعذبونهم بحرها ، ومر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فقال : صبرا آل ياسر ! فإن موعدكم الجنة ،فمات ياسر في العذاب ، وطعن أبو جهل سمية ـ أم عمار ـ في قبلها بحربة فماتت ، وهي أول شهيدة في الإسلام، وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة ، وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى ، وبالتغريق أخرى ، وقالوا : لا نتركك حتى تسب محمدا ، أو تقول في اللات والعزى خيرا ، فوافقهم على ذلك مكرها ، وجاء باكيا معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) الآية [106:16]

وكان أبو فكيهة ـ واسمه أفلح ـ مولى لبني عبدالدار ،فكانوا يشدون برجله الحبل ، ثم يجرونه على الأرض .

وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية ، فكان المشركون يذيقونه أنواعا من التنكيل ، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبا ، ويلوون عنقه تلوية عنيفة وأضجعوه مرات عديدة على حجارة ملتهبة ثم وضعوا عليه حجرا، حتى لا يستطيع أن يقوم.

وكانت زنيرة  والنهدية وابنتها وأم عبيس إماء أسلمن ،وكان المشركون يسومونهن من العذاب أمثال ما ذكرنا وأسلمت جارية لبني مؤمل ـ وهم حي من بني عدي ـ فكان عمر بن الخطاب ـ وهو يومئذ مشرك ـ يضربها ، حتى إذا مل قال : إني لم أترك إلا ملالة .

وابتاع أبو بكر الجواري فأعتقهن ، كما أعتق بلالا وعامر بن فهيرة .

ولم ينج أبو بكر نفسه من الإيذاء فقد وطئ أبو بكر بن أبى قحافة يوما بمكة وضرب ضربا شديدا، دنا منه عتبة بن ربيعة يوما فجعل يضربه بنعلين ويحرفهما لوجهه، وقفز على بطن أبى بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى ادخلوه منزله ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلاموه ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه بالطعام والشراب وهو يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: والله لا علم لي بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت، قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر مصابا طريحا، فدنت أم جميل وصاحت قائلة: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح فقال: أين هو؟ قالت: في دار بن الأرقم، قال: فإن لله على أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب (أي جلد) الإبل والبقر، ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضا آخر درعا من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة.

 وقائمة المعذبين في الله طويلة ومؤلمة جدا، فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه.

دار الأرقم :

كان من الحكمة تلقاء هذه الاضطهادات أن يمنع رسول الله صلى الله عليه المسلمين عن إعلان إسلامهم قولا أو فعلا ، وأن لا يجتمع بهم إلا سرا ؛ لأنه إذا اجتمع بهم علنا فلا شك أن المشركين يحولون بينه وبين ما يريد من تزكية المسلمين وتعليمهم الكتاب والحكمة ، وربما يفضي ذلك إلى تصادم الفريقين ، بل وقع ذلك فعلا في السنة الرابعة من النبوة ، وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب ، فيصلون فيها سرا فرآهم نفر من كفار قريش ، فسبوهم وقاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا فسال دمه ، وكان أول دم أهريق في الإسلام .

ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم ، فكان من الحكمة الاختفاء ، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم ودعوتهم واجتماعهم ، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين ،لا يصرفه عن ذلك شئ ، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرا ؛ نظرا لصالحهم وصالح الإسلام ،وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا ،وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم ،  فاتخذها مركزا لدعوته ،ولاجتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة .

وفي هذه الدار تربى الجيل الذي حمل لواء الإسلام بعد ذلك .

هجرتي الحبشة :

كانت بداية الاضطهادات في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، بدأت ضعيفة ثم لم تزل يوما فيوما وشهرا فشهرا حتى اشتدت وتفاقمت في أواسط السنة  الخامسة ، حتى ضاق بهم المقام في مكة ، وراحوا يفكرون في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم

وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة، كان مكونا من اثني عشر رجلا وأربع نسوة ،رئيسهم عثمان بن عفان ، ومعه السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام .

كان رحيل هؤلاء تسللا في ظلمة الليل حتى لا تفطن لهم قريش، خرجوا إلى البحر ، واتجهوا إلى ميناء شعيبة، وقيضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، وفطنت لهم قريش ، فخرجت في آثارهم ،لكن لما بلغت إلى الشاطئ كانوا قد انطلقوا آمنين ،وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار.

وفي رمضان من نفس السنة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرم ، وهناك جمع كبير من قريش ، كان فيه ساداتها وكبراؤها ،فقام فيهم ، وأخذ يتلو سورة النجم بغتة ، إن أولئك الكفار لم يكونوا سمعوا كلام الله قبل ذلك ،لأن أسلوبهم كان هو العمل بما تواصى به بعضهم بعضا، من قولهم: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) [26:41] فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة ، وقرع آذانهم كلام إلهي رائع خلاب، لا يحيط بروعته وجلالته البيان، بقي كل واحد مصغيا إليه ، لا يخطر بباله شئ سواه ، حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب ثم قرأ ( فاسجدوا لله واعبدوا ) [62:53] ثم سجد ، لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدا، وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين.

وأسقط في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام الله لوى زمامهم ، فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه  وإفنائه ،وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب ، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين، وعند ذلك كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير ، وأنه قال عنها: "تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" جاءوا بهذا الإفك المبين ، ليعتذروا عن سجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلفون الكذب ، ويطيلون الدس والافتراء.

وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة ،ولكن في صورة تختلف تماما عن صورته الحقيقية ، بلغهم أن قريشا أسلمت ، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة ، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار ، وعرفوا جلية الأمر ، رجع منهم من رجع إلى الحبشة ، ولم يدخل مكة منهم أحد إلا مستخفيا ، أو في جوار رجل من قريش .

ثم اشتد عليهم وعلى المسلمين البلاء والعذاب من قريش وسطت بهم عشائرهم ، فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن الجوار ،ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم بدا من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى ،وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها ، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها ، بيد أن المسلمين كانوا أسرع ويسر الله لهم السفر ، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا.

وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلا ،وثمان عشرة أو تسع عشرة امرأة

مكيدة قريش بمهاجري الحبشة :

عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين شديدين لبيبين وهما عمرو بن العاص، وعبدالله بن أبي ربيعة ـ قبل أن يسلما ـ وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي وبطارقته، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة، وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم، حضرا إلى النجاشي وقدما له الهدايا ثم كلماه، فقالا له أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه .

وقالت البطارقة : صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم ولكن رأى النجاشي أنه لابد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعا، فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنا ما كان . فقال .لهم النجاشي :ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟ قال جعفر بن أبى طالب ـ وكان هو المتكلم عن المسلمين ـ :أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية،نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار،ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان،وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار،والكف عن المحارم والدماء،ونهانا عن الفواحش، وقول الزور،وأكل مال اليتيم،وقذف المحصنات،وأمرنا أن نعبد الله وحده،لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله، فعبدنا الله وحده،فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا،فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى،وان نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك،واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .

فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شئ ؟ فقال له جعفر : نعم ! فقال له النجاشي : فاقرأه علي . فقرأ عليه صدرا من سورة مريم ( كهيعص)، فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون ـ يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه ـ فخرجا، وقال عمرو بن العاص لعبد الله بن ربيعة : والله لآتينهم غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم . فقال له عبدالله بن ربيعة : لا تفعل، فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا، ولكن أصر عمرو على رأيه .

فلما كان الغد قال للنجاشي : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح، ففزعوا، ولكن أجمعوا على الصدق، كائنا ما كان، فلما دخلوا عليه، وسألهم قال له جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم : هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فأخذ النجاشي عودا من الأرض، ثم قال :والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته، فقال : وإن نخرتم والله .

ثم قال للمسلمين : اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ـ والشيوم : الآمنون بلسان الحبشة ـ من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرا من ذهب وأنى آذيت رجلا منكم ـ والدبر الجبل بلسان الحبشة .

ثم قال لحاشيته : ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه

قالت أم سلمة التي تروي هذه القصة : فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءوا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.

قريش يهددون أبا طالب :

بعد ما فشلت مكائد قريش في التصدي للمسلمين حاولوا مرة أخري مع أبي طالب ليكف عن حماية محمد صلي الله عليه وسلم، جاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه ، وإنا والله لا نصبر على هذا ، من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا ،وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين.

عظم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ،فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله، وأنه ضعف عن نصرته ، فقال: يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ـ حتى يظهره الله أو أهلك فيه ـ ما تركته ، ثم استعبر وبكى ، وقام ، فلما ولى ناداه أبو طالب فلما أقبل قال له : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت  فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.

وأنشد

والله لن يصلوا إليك بجمعهم   حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة       وأبشر وقر بذاك منك عيونا

ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماض في عمله؛ وعرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه مجمع لفراقهم وعداوتهم في ذلك، ذهبوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له: يا أبا طالب إن هذا الفتى أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم ،فنقتله، فإنما هو رجل برجل، فقال: والله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه. هذا والله مالا يكون أبدا.

فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال: والله ما أنصفتموني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم على، فاصنع ما بدا لك.

قريش تحاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم :

وبعد فشل قريش وخيبتهم مع أبي طالب عادوا إلى ضراوتهم وتنكيلهم بأشد مما كان قبل ذلك ، وخلال هذه الأيام نشأت في طغاتهم فكرة إعدامه صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه الفكرة وتلك الضراوة هي التي تسببت في تقوية الإسلام  ببطلين جليلين من أبطال مكة، وهما: حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما.

فمن تلك الضراوة أن عتيبة بن أبي لهب أتى يوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا أكفر بـ (النجم إذا هوي) و (بالذي دنا فتدلى ) ثم تسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه ، وتفل في وجهه ، إلا أن البزاق لم يقع عليه ، وحينئذ دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ،وقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم ، فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش ، حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء ، فطاف بهم الأسد تلك الليلة ، فجعل عتيبة يقول : يا ويل أخي ، وهو والله آكلي كما دعا محمد علي، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام، فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فقتله.

ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان .

ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله صلى الله عليه وسلم ما رواه ابن إسحاق في حديث طويل قال : قال أبوجهل : يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ،وتسفيه أحلامنا ،وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ، قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريد .

فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ، ينتظرون ما أبوجهل فاعل ، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم ؟قال  قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، ولا والله ما رأيت مثل هامته ، ولا مثل قصرته (أي عنقه) ولا أنيابه لفحل قط فهم بي أن يأكلني .

فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه .

أما طغاة فريش فلم تزل فكرة الإعدام تنضج في قلوبهم ، روى ابن إسحاق عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : حضرتهم وقد اجتمعوا في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل ، لقد صبرنا منه على أمر عظيم ، فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ،ثم مر بهم طائفا بالبيت ، فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ، فوقف ثم قال : أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ، فأخذت القوم كلمته ، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد ،ويقول : انصرف يا أبا القاسم ، فوالله ما كنت جهولا .

فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، فلقد رأيت رجلا منهم

أخذ بمجمع ردائه ، وقام أبو بكر دونه ، وهو يبكي ويقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟

إسلام حمزة رضي الله عنه :

خلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم والطغيان، أضاء برق نور للمقهورين طريقهم ، ألا وهو إسلام حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه ، أسلم في أواخر السنة السادسة من النبوة ،وسبب إسلامه أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم يوما عند الصفا ، فآذاه ونال منه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يكلمه ، ثم ضربه أبو جهل بحجر في رأسه فشجه ، حتى نزف منه الدم ، ثم انصرف عنه إلى نادي قريش عند الكعبة ، فجلس معهم ، وكانت مولاة لعبدالله بن جدعان في مسكن لها على الصفا ترى ذلك ، وأقبل حمزة من الصيد متوشحا قوسه ، فأخبرته المولاة بما رأت من أبي جهل ، فغضب حمزة ـ وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة ـ فخرج يسعى ، لم يقف لأحد ، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يؤذيه، فلما دخل المسجد قام على رأسه ، وقال له : يا مصفر استه ، تشتم ابن أخي وأنا على دينه ؟ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة ،فثار رجال من بني مخزوم ـ حي أبي جهل ـ وثار بنو هاشم ـ حي حمزةـ فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة ، فإني سببت ابن أخيه سبا قبيحا .

وكان إسلام حمزة أول الأمر عزة رجل أبى أن يهان مولاه ، ثم شرح الله صدره ، فاستمسك بالعروة الوثقى ، واعتز به المسلمون أيما اعتزاز .

إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

وخلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم والطغيان أضاء برق آخر أشد بريقا وإضاءة من الأول، ألا وهو إسلام عمر بن الخطاب، أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة .

بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي الله عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الله تعالى لإسلامه فقال (اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك : بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام ) فكان أحبهما إلى الله عمر رضي الله عنه.

وخلاصة الروايات مع الجمع بينها ـ في إسلامه رضي الله عنه أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلي وقد استفتح سورة ( الحاقة ) فجعل عمر يستمع إلى القرآن، ويعجب من تأليفه، قال : فقلت ـ أي في نفسي ـ هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال : فقرأ : (إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون)[ 41.40.69] قال : قلت : كاهن . قال (ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين)

إلى آخر السورة : قال فوقع الإسلام في قلبي .

كان هذا أول وقوع نواة الإسلام في قلبه، لكن كانت قشرة النزعات الجاهلية، والعصبية التقليدية والتعاظم بدين الآباء هي الغالبة على مخ الحقيقة التي كان يتهامس بها قلبه، فبقي مستمرا في عمله ضد الإسلام، غير مكترث بالشعور الذي يكمن وراء هذه القشرة .

وكان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوما متوشحا سيفه، يريد القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه نعيم بن عبدالله النحام العدوي، فقال أين تعمد يا عمر ؟ قال . أريد أن أقتل محمدا قال : كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدا ؟ فقال له عمر : ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي كنت عليه، قال أفلا أدلك على العجب يا عمر ! إن أختك وختنك(أي زوج أختك) قد صبوا، وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر مغضبا حتى أتاهما وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها (طه) يقرئهما إياها ـ وكان يتردد إليهما ويقرئهما القرآن، فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، وسترت فاطمة ـ أخت عمر ـ الصحيفة، وكان قد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب إليهما، فلما دخل عليهما قال : ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم ؟ فقالا : ليس إلا حديثا تحدثناه بيننا . قال فلعلكما قد صبوتما . فقال له ختنه : يا عمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك ؟فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديدا . فجاءت أخته فرفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده، فأدمى وجهها فقالت ـ وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله .

لما يئس عمر، ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحى، وقال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه، فقالت أخته : إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل فقام فاغتسل، ثم أخذ الكتاب، فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال : أسماء طيبة طاهرة . ثم قرأ :( طه ) حتى انتهى إلى قوله : (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى ) فقال : ما أحسن هذا الكلام وماأكرمه ؟ دلوني على محمد .

فلما سمع خباب قولة عمر خرج من البيت، فقال : أبشر يا عمر، فإنى أرجو أن تكون دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لك ليلة الخميس( اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار التي في أصل الصفا .

فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم انطلق حتى أتى الدار، فضرب الباب، فقام رجل ينظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستجمع القوم، فقال لهم حمزة: مالكم ؟ قالوا : عمر، فقال : وعمر، افتحوا له الباب، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم داخل يوحى إليه فخرج إلى عمر حتى لقيه في الحجرة، فأخذه بمجامع ثوبه وحمائل السيف، ثم جبذه جبذة شديدة فقال: أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم ! هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، فقال عمر : أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأسلم فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد .

كان عمر رضي الله عنه ذا شكيمة لا يرام، وقد أثار إسلامه ضجة بين المشركين بالذلة، والهوان، وكسا المسلمين عزة وشرفا وسرورا.

عن عمر قال : لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة، قال: قلت : أبو جهل، فأتيت حتى ضربت عليه بابه فخرج إلي، وقال أهلا وسهلا، ما جاء بك ؟ قال : جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به . قال فضرب الباب في وجهي، وقال قبحك الله، وقبح ما جئت به.

وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون قتله،فبينما هو ـ أي عمر ـ في الدار خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، فقال له : ما لك ؟ قال : زعم قومك أنهم سيقتلوني أن أسلمت، قال لا سبيل إليك،فأمن عمر، وخرج العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال أين تريدون ؟ فقالوا هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ، قال: لا سبيل إليه، فرجع الناس

هذا بالنسبة إلى المشركين أما بالنسبة إلى المسلمين ؛ فروى مجاهد عن ابن عباس قال : سألت عمر بن الخطاب لأي شيء سميت الفاروق ؟ قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ـ ثم قص عليه قصة إسلامه وقال في آخره ـ قلت ـ أي حين أسلمت ـ يا رسول الله ‍ ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال : بلى ‍ والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم، قال : قلت : ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا فى الآخر، له كديد (أي صوت) ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد قال فنظرت إلى قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم "الفاروق" يومئذ.

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، وعن صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به .

وعن عبدالله بن مسعود قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر رضى الله عنه.

المقاطعة العامة :

وقعت أربع حوادث ضخمة ـ بالنسبة إلى المشركين ـ خلال أربعة أسابيع، أو  أقل،فأسلم حمزة ثم أسلم عمر، ثم رفض محمد صلى الله عليه وسلم مساومتهم، ثم تواثق بنو المطلب، وبنو هاشم كلهم مسلمهم وكافرهم، على حياطة محمد صلى الله عليه وسلم ومنعه، حار المشركون، وحقت لهم الحيرة، إنهم عرفوا أنهم لو قاموا بقتل محمد صلى الله عليه وسلم يسيل وادي مكة دونه بدمائهم، بل ربما يفضي إلى استئصالهم، عرفوا ذلك فانحرفوا إلى ظلم آخر دون القتل،يشف عن حقدهم وغيظهم الدفين

اجتمعوا في خيف بني كنانة من وادي المحصب فتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولايكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق " أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل "كتبها رجل يدعى بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده .

تم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم ـ إلا أبا لهب ـ وحبسوا في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة.

واشتد الحصار، وقطعت عنهم الميرة والمادة، فلم يكن المشركون يتركون طعاما يدخل مكة ولا بيعا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شئ إلا سرا، وكانوا لا يخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى لا يستطيعوا الشراء .

وكان حكيم بن حزام يحمل أحيانا قمحا إلى عمته خديجة رضي الله عنها ، وقد تعرض له مرة أبو جهل فتعلق به ليمنعه، فتدخل بينهما أبو البخترى، ومكنه من حمل القمح إلى عمته .

وكان أبو طالب يخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يأتي بعض فرشهم .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يخرجون في أيام الموسم، فيلقون الناس، ويدعونهم إلى الإسلام.

نقض صحيفة الميثاق الظالم :

مرت ثلاثة أعوام كاملة والمقاطعة قائمة، وفي المحرم سنة عشر من النبوة حدث نقض الصحيفة وفك الميثاق ، وذلك أن قريشا كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارها لها .

وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤى ـ وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفيا بالليل بالطعام ـ فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومي ـ وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ـ وقال: يا زهير ، أرضيت أن تأكل الطعام ، وتشرب الشراب ، وأخوالك بحيث تعلم ؟ فقال: ويحك ، فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها ، قال : قد وجدت رجلا . قال: فمن هو ؟ قال: أنا قال له زهير : ابغنا رجلا ثالثا .

فذهب إلى المطعم بن عدي ، فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبدمناف ، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم ، فقال المطعم : ويحك، ماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد ، قال : قد وجدت ثانيا ، قال: من هو ؟ قال : أنا، قال ابغنا ثالثا، قال: قد فعلت قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية ، قال: ابغنا رابعا،

فذهب إلى أبي البخترى بن هاشم ، فقال له نحوا مما قال للمطعم ، فقال : وهل من أحد يعين على هذا ؟ قال: نعم ، قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية ،والمطعم بن عدي ، وأنا معك ، قال : ابغنا خامسا

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ، فكلمه ، وذكر له قرابتهم وحقهم ، فقال له : وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال : نعم ثم سمى له القوم، فاجتمعوا عند الحجون ، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة ، وقال زهير : أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم .

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم ، وغدا زهير عليه حلة ، فطاف بالبيت سبعا ، ثم أقبل على الناس ، فقال : يا أهل مكة أنأكل الطعام ،ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى ، لا يباع ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة .

قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد ـ : كذبت ،والله لا تشق . فقال : زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب . ما رضينا كتابتها حيث كتبت قال أبو البخترى : صدق زمعة ، لا نرضى ما كتب فيه ولا نقر به .

 قال المطعم بن عدي : صدقتما وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها .

وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك .

فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل ، تشوور فيه بغير هذا المكان .

وأبو طالب جالس في ناحية المسجد إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله على أمر الصحيفة ،وأنه أرسل عليها الأرضة ،فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل ، فأخبر بذلك عمه ، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا ، فإن كان كاذبا خلينا بينكم وبينه  ، وإن كان صادقا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا ،  قالوا قد أنصفت وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبى جهل قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا " باسمك اللهم " . وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله .

ثم نقضت الصحيفة ، وخرج رسو ل الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب ، وقد رأى المشركون آية عظيمة من آيات نبوته ،ولكنهم كما أخبر الله عنهم ،( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)[2.54] أعرضوا عن هذه الآية  وازدادوا كفرا إلى كفرهم .

آخر وفود قريش إلى أبي طالب :

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعب ، وجعل يعمل على شاكلته من الدعوة إلى الله، وقريش وإن كانوا قد تركوا القطيعة ،لكنهم لم يزالوا عاملين على شاكلتهم من الضغط على المسلمين ، والصد عن سبيل الله ، أما أبو طالب فهو لم يزل يحوط ابن أخيه ، لكنه كان قد جاوز الثمانين من سنه ، وكانت الآلام والحوادث الضخمة المتوالية منذ سنوات ـ لا سيما حصار الشعب ـ قد أوهنت وأضعفت مفاصله ، وكسرت صلبه ، فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر معدودات ، وإذا هو يلاحقه المرض ويلح به ـ وحينئذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه ، فحاولوا مرة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ، ويعطوا بعض ما لم يرضوا  إعطاءه قبل ذلك ، فقاموا بوفادة هي آخر وفادتهم إلى أبي طالب .

قال ابن إسحاق: لما مرض أبو طالب ، وبلغ قريشا ذلك ،قالت قريش بعضها لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ،وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب ، فليأخذ على ابن أخيه ،وليعطه منا، إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ ، فيكون إليه شئ فتعيرنا به العرب ، يقولون تركوه ؛ حتى إذا مات عمه تناولوه  .

مشوا إلى أبي طالب فكلموه ، وهم أشراف قومه ؛ عتبة بن ربيعة ،وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ،وأبو سفيان بن حرب ، في رجال من أشرافهم ـ وهم خمس وعشرون تقريبا ـ فقالوا : يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت ،وقد حضرك ما نرى ، وتخوفنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه ، فخذ له منا ، وخذ لنا منه ، ليكف عنا ونكف عنه ، وليدعنا وديننا ، وندعه ودينه فبعث إليه أبو طالب ،فجاءه فقال : يا ابن أخي ، هؤلاء أشراف قومك ، قد اجتمعوا لك ، ليعطوك ، وليأخذوا منك ، ثم أخبره بالذي قالوا له وعرضوا عليه من عدم تعرض كل فريق للآخر ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها ، ملكتم بها العرب ، ودانت لكم بها العجم؟ فلما قال هذه المقالة ، توقفوا وتحيروا ،ولم يعرفوا كيف يرفضون هذه الكلمة الواحدة النافعة إلى هذه الغاية والحد ،ثم قال أبو جهل :ما هي ؟وأبيك لنعطيكها  وعشر أمثالها ،قال :تقولون لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من دونه فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا ؟إن أمرك لعجب.

ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دين  آبائكم ، حتى يحكم الله بينكم وبينه . ثم تفرقوا .

وفي هؤلاء نزل قوله تعالى : ( ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا ،إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ).

ولم يكن موقفهم هذا من دعوة الإسلام تمسكا بمبدأ أو دفاعا عن فضيلة وإنما كان عن استكبار وإتباع للهوي.

اجتمع ثلاثة نفر من قريش ،كان قد استمع كل واحد منهم إلى القرآن سرا عن صاحبيه ثم انكشف سرهم ، فسأل أحدهم أبا جهل ـ وكان من أولئك الثلاثة ـ ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا ،وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب ،وكنا كفرسي رهان ، قالوا : لنا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه .

وكان أبو جهل يقول : يا محمد إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به ،فأنزل الله : (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ).

وفاة أبي طالب :

ألح المرض بأبي طالب ، فلم يلبث أن وافته المنية ،وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة بعد الخروج من الشعب بستة أشهر ولما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، فقال : أي عم قل : لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شئ كلمهم به : على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ،فنزلت : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) ونزلت (إنك لا تهدي من أحببت )

ومع أن أبا طالب كان الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء ، إلا أنه بقي على ملة الأشياخ من أجداده ، فلم يفلح كل الفلاح . ففي الصحيح عن العباس بن عبدالمطلب أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما أغنيت عن عمك ، فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟قال : هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.

وفاة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد :

وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين توفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، كانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة ولها خمس وستون سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره .

إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر وتواسيه بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ، ورزقني الله ولدها، وحرم ولد غيرها.

وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه خديجة، قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب

عام الحزن :

وفيه وقعت حادثتان مؤلمتان، وفاة أبي طالب ثم خديجة أم المؤمنين، خلال أيام معدودة ،فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه ، فقد تجرأوا عليه ،وكاشفوه بالأذى بعد موت أبي طالب ،فازداد غما على غم ،حتى يئس منهم ,وخرج إلى الطائف ، رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يئووه وينصروه على قومه ، فلم ير من يئوي ولم ير ناصرا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه.

وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم اشتدت على أصحابه، حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة عن مكة فخرج حتى بلغ برك الغماد ، يريد الحبشة فأرجعه ابن الدغنة في جواره قال ابن إسحاق : لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا ، ودخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها:لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك، قال ويقول بين ذلك : ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب .

 ولأجل توالي مثل هذا الآلام في هذا العام سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحزن، وبهذا اللقب صار معروفا في التاريخ

ومع هذا كله كان المسلمون يعرفون منذ أول يوم لاقوا فيه الشدة والاضطهاد ـ بل ومن قبله ـ أن الدخول في الإسلام ليس معناه جر المصائب والحتوف، بل إن الدعوة الإسلامية تهدف ـ منذ أول يومها إلى القضاء على الجاهلية الجهلاء ونظامها الغاشم، وأن من أهدافها الأساسية بسط النفوذ على الأرض والسيطرة على الموقف السياسي في العالم ، لتقود الأمة الإنسانية والجمعية البشرية إلى مرضاة الله . وتخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله .

وكان القرآن ينزل بهذه البشارات ـ مرة بالتصريح وأخرى بالكناية ـ ففي تلك الفترات القاصمة التي ضيقت الأرض على المسلمين وكادت تخنقهم ،وتقضي على حياتهم ،كانت تنزل الآيات بما جرى بين الأنبياء السابقين وبين أقوامهم الذين قاموا بتكذيبهم والكفر بهم ، وكانت تشتمل هذه الآيات على ذكر الأحوال التي تطابق تماما أحوال مسلمي مكة وكفارها، ثم تذكر هذه الآيات ما تمخضت عنه تلك الأحوال من إهلاك الكفرة والظالمين وإيراث عباد الله الأرض والديار، فكانت في هذه القصص إشارات واضحة إلى فشل أهل مكة في المستقبل ونجاح المسلمين مع نجاح الدعوة الإسلامية.

قال خباب بن الأرت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده ، وهو في ظل الكعبة ،وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت: ألا تدعو الله ، فقعد وهو محمر وجهه ، فقال : لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه ،وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون .

 ولم تكن هذه البشارات مخفية مستورة بل كانت فاشية مكشوفة ، يعلمها الكفرة ، كما كان يعلمها المسلمون ، حتى كان الأسود بن المطلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تغامزوا بهم، وقالوا: قد جاءكم ملوك الأرض سيغلبون على ملوك كسرى وقيصر ثم يصفرون ويصفقون .

وأما هذه البشارات بالمستقبل المجيد المستنير في الدنيا ، مع ما فيه من الرجاء الصالح الكبير البالغ إلى النهاية في الفوز بالجنة ، كان الصحابة يرون أن الاضطهادات التي تتوالى عليهم من كل جانب ،والمصائب التي تحيط بهم من كل الأرجاء ، ليست إلا "سحابة صيف عن قليل تقشع "

هذا ولم يزل الرسول صلى الله عليه وسلم يغذي أرواحهم برغائب الإيمان ، ويزكي نفوسهم بتعليم الحكمة والقرآن ، ويربيهم تربية دقيقة عميقة ، يعلو بنفوسهم إلى منازل سمو الروح ونقاء القلب ، ونظافة الخلق ، والتحرر من سلطان الماديات ،والمقاومة للشهوات ، والنزوع إلى رب الأرض والسماوات ،ويذكي جمرة قلوبهم ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ،ويأخذهم بالصبر على الأذى والصفح الجميل وقهر النفس، فازدادوا رسوخا في الدين ،وعزوفا عن الشهوات ،وتفانيا في سبيل  مرضاة الله، وحنينا إلى الجنة ،وحرصا على العلم ، وفقها في الدين ومحاسبة للنفس ، وقهرا للشهوات، وغلبة على العواطف ، وتسيطرا على الثائرات والهائجات، وتقيدا بالصبر والهدوء والوقار.

الزواج بسودة رضي الله عنها :

وفي شوال من هذه السنةـ سنة 10 من النبوة ـ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة ، كانت ممن أسلم قديما ، وهاجرت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكان زوجها السكران بن عمرو ، وكان قد أسلم وهاجر معها ، فمات بأرض الحبشة، فلما حلت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتزوجها وكانت أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة رضى الله عنها.