Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه وسلم

غزوة بنى المصطلق أو غزوة المريسيع :

هذه الغزوة وإن لم تكن طويلة المدى، من حيث الوجهة العسكرية، إلا أنها وقعت فيها وقائع أحدثت البلبلة والاضطراب في المجتمع الإسلامي، وتمخضت عن افتضاح المنافقين، ونزول التشريعات التعزيرية التي أعطت المجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس، ونسرد الغزوة أولا، ثم نذكر تلك الوقائع.

كانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست من الهجرة، وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضرار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي؛ لتحقيق الخبر فأتاهم، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، وبعد أن تأكد لديه صلى الله عليه وسلم صحة الخبر ندب الصحابة، وأسرع في الخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزوة قبلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة.

 وكان الحارث بن ضرار قد وجه جاسوسا؛ ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي، فألقي المسلمون عليه القبض وقتلوه.

ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله جاسوسه، خافوا خوفا شديدا، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع ، اسم لماء من مياههم في ناحية قديد إلى الساحل، فتهيؤوا للقتال، وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة، وانهزم المشركون، وقتل من قتل، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والأنعام والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، قتله رجل من الأنصار ظنا منه أنه من العدو.

وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا، وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عداوة المنافقين وفضح الله لهم :

لما كانت غزوة بنى المصطلق، وخرج فيها المنافقون مثلوا قوله تعالى{لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} فقد وجدوا الفرصة للتحدث بالشر وإثارة الفتنة، فأثاروا الارتباك الشديد في صفوف المسلمين والدعاية الشنيعة ضد النبي صلى الله عليه وسلم.

 فمن ذلك قول المنافقين "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل "وقصة ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الغزو كان مقيما على المريسيع، وورد الناس إلى الماء ليستقوا، ومع عمر بن الخطاب أجيرله يقال له جهجاه الغفاري، فازدحم هو وسنان بن وبر الجهني على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار. وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة، وبلغ ذلك عبدالله بن أبي بن سلول وكان عنده رهط من قومه، فيهم غلام اسمه زيد بن أرقم ، فغضب ابن أبي وقال: أوقد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دياركم.

فأخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر، فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عمر، فقال عمر: مر عباد بن بشر فليقتله. فقال: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا، ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فلقيه أسيد بن حضير فحياه وقال: لقد رحت في ساعة منكرة؟ فقال له: أو ما بلغك ما قال صاحبك؟ يريد ابن أبي، فقال: وما قال؟ . قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله، تخرجه منها ان شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه يرى أنك استلبته ملكا.

ثم مشى بالناس يومه ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض، فوقعوا نياما من التعب ؛ وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث.

أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف بالله ما قلت ما قال، ولا تكلمت به، وقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، فصدقه، قال زيد: فأصابني هم لم يصبني مثله قط فجلست في بيتي فأنزل الله {إذا جاءك المنافقون} إلى قوله {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} إلى ليخرجن الأعز منها الأذل} فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي، ثم قال: إن الله قد صدقك.

وكان ابن هذا المنافق ـ وهو عبدالله بن عبدالله بن أبي ـ رجلا صالحا من الصحابة الأخيار، فتبرأ من أبيه، ووقف له على باب المدينة، واستل سيفه، فلما جاء ابن أبي قال له: والله لا تجوز(أي لا تمر) من ههنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أذن له، فخلى سبيله، وكان قد قال عبدالله بن عبدالله بن أبي: يا رسول الله إن أردت قتله فمرني بذلك، فأنا والله أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج أنه ما من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا .

حديث الإفك :

وفي هذه الغزوة، غزوة بنى المصطلق، كانت قصة الإفك، وملخصها أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها، فجاء النفر الذين كانوا يحملون هودجها (الهودج: مركب النساء على البعير) فظنوها فيه فحملوا الهودج، ولا ينكرون خفته، لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها، وأيضا فإن النفر لما تعاونوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين لما خفي عليهما الحال، فرجعت عائشة إلى منازل الجيش، وقد وجدت العقد، فإذا ليس به داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها، والله غالب على أمره يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول الصحابي صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ـ وكان صفوان قد تخلف في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم، فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع وقال: ما خلفك يرحمك الله؟ فلم ترد عليه بكلمة، فأناخ راحلته، فقربها إليها فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ثم سار بها يقودها، حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه، ويذيعه، ويجمعه، ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون بإشاعة ذلك إليه، فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها، ويأخذ غيرها، تلميحا لا تصريحا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وأن لا يلتفت إلى كلام الأعداء؛ فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي.

 فأظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبته في قتل عبد الله بن أبي رأس الفتنة، فأخذت سعد بن عبادة ـ سيد الخزرج وهي قبيلة ابن أبي ـ الحمية القبلية، فجرى بينهما كلام تثاور له الأوس والخزرج، فخفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سكتوا وسكت.

أما عائشة؛ فلما رجعت مرضت شهرا، وهي لا تعلم عن حديث الإفك شيئا، سوى أنها كانت لا تعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي، فلما نقهت خرجت مع أم مسطح إلى الخلاء ليلا، فعثرت أم مسطح في مرطها (أي ردائها) فدعت على ابنها وقالت: تعس مسطح، فاستنكرت ذلك عائشة منها وقالت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا، فأخبرتها أم مسطح  الخبر، فرجعت عائشة واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لتأتي أبويها وتستيقن الخبر، ثم أتتهما بعد الإذن حتى عرفت جلية الأمر، فجعلت تبكي، فبكت ليلتين ويوما، ولم تكن تكتحل بنوم، ولا يرقأ لها دمع، حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فتشهد وقال: أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه.

وحينئذ قلص دمعها (أي جف) وقالت لكل من أبويها أن يجيبا، فلم يدريا ما يقولان، فقالت: والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة ـ والله يعلم أني بريئة ـ لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر ـ والله يعلم أني منه بريئة ـ لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف : {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}.

ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة، أما الله فقد برأك، فقالت لها أمها: قومي إليه، فقالت عائشة ـ إدلالا ببراءة ساحتها، وثقة بمحبة رسو ل الله صلى الله عليه وسلم ـ: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله.

والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} العشر الآيات من سورة النور.

وجلد من أهل الإفك مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، جلدوا ثمانين ولم يحد الخبيث عبدالله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، والذي تولى كبره، إما لأن الحدود تخفيف لأهلها، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، وإما للمصلحة التي ترك لأجلها قتله.

وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والإرتياب والقلق والاضطراب عن جو المدينة، وافتضح رأس المنافقين افتضاحا لم يستطع أن يرفع رأسه بعد ذلك، قال ابن إسحاق: وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنف (أي لغضب له كثيرون) ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.