Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه وسلم

استئناف البعوث والسرايا بعد غزوة بنى المصطلق :

ومن هذه السرايا والبعوث:

1 سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بني كلب بدومة الجندل، في شعبان سنة 6 هـ، أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، وعممه بيده وأوصاه بأحسن الأمور في الحرب، وقال له: إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم، فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وهي أم أبي سلمة، وكان أبوها رأسهم وملكهم.

2 ـ سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك، في شعبان سنة 6 هـ وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بها جمعا يريدون أن يمدوا اليهود، فبعث إليهم عليا في مائتي رجل، وكان يسير الليل ويكمن النهار، فأصاب جاسوسا لهم، فأقر أنهم بعثوه إلى خيبر يعرضون عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر، ودل الجاسوس على موضع تجمع بني سعد، فأغار عليهم علي فأخذ خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد، وكان رئيسهم وبر بن عليم.

3 ـ سرية أبي بكر الصديق إلى وادي القرى في رمضان سنة 6 هـ، كان بطن فزراة يريد اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أبا بكر الصديق، قال سلمة بن الأكوع: وخرجت معه، حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة، فوردنا الماء، فقتل أبو بكر من قتل، ورأيت طائفة وفيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم، ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فيهم امرأة هي أم قرفة، معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشف لها ثوبا، وقد سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أم قرفة، فبعث بها إلى مكة، وفدى بها أسرى المسلمين هناك.

وكانت أم قرفة شيطانة تحاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وجهزت ثلاثين فارسا من أهل بيتها لذلك، فلاقت جزاءها وقتل الثلاثون.

4 ـ سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين، في شوال سنة 6 هـ وذلك أن رهطا من عكل وعرينة أظهروا الإسلام، وأقاموا بالمدينة فأتعبهم جوها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذود المرعى وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل وكفروا بعد إسلامهم، فبعث في طلبهم كرزا الفهري في عشرين من الصحابة، ودعا على العرنيين: اللهم أعم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك (أي الأسورة) فعمى الله عليهم السبيل، فأدركوا، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم (أي فقئت بحديدة محماة) جزاء وقصاصا بما فعلوا، لأنهم فعلوا بالراعي مثل ذلك، ثم تركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا.

 هذه هي السرايا والغزوات بعد الأحزاب، وبني قريظة، لم يجر في واحدة منها قتال مرير، وإنما وقعت فيما وقعت مصادمات خفيفة، فليست هذه البعوث إلا دوريات استطلاعية، أو تحركات تأديبية؛ لإرهاب الأعراب والأعداء الذين لم يستكينوا بعد، ويظهر بعد التأمل في الظروف أن مجرى الأيام كان قد أخذ في التطور بعد غزوة الأحزاب، و أن أعداء الإسلام، كانت معنوياتهم في انهيار متواصل، ولم يعد لهم أمل في كسر الدعوة الإسلامية وكسر شوكتها، إلا أن هذا التطور ظهر جليا بصلح الحديبية، فلم تكن الهدنة إلا الاعتراف بقوة الإسلام، والتأكيد على بقائها في ربوع الجزيرة العربية.

المسلمون يخرجون لأداء العمرة والمشركون يصدونهم عن البيت الحرام :

لما تقدم التطور في الجزيرة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئا فشيئا، وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام، الذي صدهم عنه المشركون منذ ستة أعوام

ورأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهم وقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر.

ودعا رسول الله صلي الله عليه وسلم الأعراب ومن حوله من البوادي ليخرجوا معه فأبطأ كثير منهم. وغسل ثيابه، وركب ناقته القصواء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وخرج منها يوم الاثنين غرة ذي القعدة سنة 6 هـ ومعه زوجته أم سلمة، في حوالي ألف وأربعمائة، ولم يخرج معه بسلاح إلا سلاح المسافر، وهي السيوف.

وتحرك صلى الله عليه وسلم في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي (أي علمه بشيء في عنقه، والهدي ما يذبح لله في الحرم ) وأشعره (أي طعنه في السنام الأيمن حتى يظهر الدم، علامة على أنه هدي) وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس وليعلموا أنه لم يأت للحرب، حتى إذا كان قريبا من عسفان أتاه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا لحربك وقد عاهدوا الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم (موضع قرب مكة في الطريق الرئيسي الموصل إليها)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب،ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (أي أموت، والسالفة: العنق).

وقد حاول خالد صد المسلمين، فقام بفرسانه إزاءهم يتراءى الجيشان، ورأى خالد المسلمين في صلاة الظهر يركعون ويسجدون فقال: لقد كانوا على غرة، لو كنا حملنا عليهم لأصبنا منهم، ثم قرر أن يميل على المسلمين ـ وهم في صلاة العصر ـ ميلة واحدة، ولكن الله أنزل حكم صلاة الخوف، ففاتت الفرصة خالدا.

وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقا وعرا بين شعاب، وترك الطريق الرئيسي الذي يفضي إلى الحرم مارا بالتنعيم، تركه إلى اليسار، فلما رأى خالد غبار الجيش الإسلامي وهم يسيرون في طريق غير طريقه، انطلق يركض نذيرا لقريش.

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء (أي بركت ولم تقم) خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء ما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل (يعني فيل أبرهة، فقد توقف في نفس المكان) ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت به، فسار حتى نزل بأقصى الحديبية، في مكان قليل الماء، فلم يلبث أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر، فوالله مازال يجيش لهم بالري حتى انصرفوا.

وسطاء وسفراء بين المسلمين والمشركين :

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانت خزاعة حلفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ فقال له رسول صلى الله عليه وسلم مثلما قال لبشر بن سفيان، قال: إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم (أي عقدت معهم صلحا إلى مدة محددة) ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (أي كثروا واستراحوا) وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره.

قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا.

فبعثت قريش مكرز بن حفص للمفاوضة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا رجل غادر، فلما جاء وتكلم قال له مثل ما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم.

ثم قال رجل من كنانة ـ اسمه الحليس بن علقمة ـ: دعوني آته. فقالوا: آته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن (أي الإبل التي ينحرها الحجاج والعمار) فابعثوها، فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى قريش فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا، فقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى منه.

فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: آته، فآتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل، فقال له عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوباشا (أي أخلاطا) من الناس جديرين أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات (كلمة سب قبيحة لآلهتهم) أنحن نفر عنه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد (أي معروف) كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك، ولكن هذه بها.

 وجعل عروة يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة ابن أخ لعروة هذا واقف عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، وعليه المغفر (أي الخوذة) فكلما أمسك عروة لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر، أولست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة قبل إسلامه صحب قوما في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، فدفع عروة دية القتلى عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شئ .

ثم إن عروة جعل يرقب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلاقتهم به، فرجع إلى قريش فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله ما بصق بصاقا إلا وقع في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون (أي يصوبون) إليه النظر تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

ولما رأى شباب قريش الطائشون، الطامحون إلى الحرب، رغبة زعمائهم في الصلح، فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح، فقرروا أن يخرجوا ليلا ويتسللوا إلى معسكر المسلمين، ويحدثوا أحداثا تشعل نار الحرب، وفعلا قاموا بتنفيذ هذا القرار، فقد خرج سبعون أو ثمانون منهم ليلا فهبطوا من جبل التنعيم، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن سلمة قائد الحرس اعتقلهم جميعا. ورغبة في الصلح أطلق سراحهم النبي صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، وفي ذلك أنزل الله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم}

وحينئذ أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث سفيرا يؤكد لدى قريش موقفه وهدفه من هذا السفر، فدعا عمر بن الخطاب ليرسله إليهم، فاعتذر قائلا: يا رسول الله ليس لي بمكة أحد من بني كعب يمنع عني إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت فدعاه، وأرسله إلى قريش، وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام، ، وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين، ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفي فيها أحد بالإيمان.

فانطلق عثمان حتى إذا كان قبل مكة قام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به ثم أسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس، وأجاره (أي جعله في حمايته) وأردفه (أي أركبه خلفه على الفرس) حتى جاء مكة، وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، لكنه رفض هذا العرض، وأبي أن يطوف حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم. واحتبست قريش عثمان بن عفان عندها بعض الوقت.

بيعة الرضوان :

احتبست قريش عثمان بن عفان عندها، ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة ، وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغته تلك الإشاعة: لا نبرح حتى نناجز القوم (أي نقاتلهم) ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فقاموا إليه يبايعونه على أن لا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات، في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: هذه عن عثمان، ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له جد بن قيس.

أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذا بيده، ومعقل بن يسار آخذا بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}

بنود صلح الحديبية وحزن المسلمين بسببها :

عرفت قريش حراجة الموقف، فأسرعت إلى بعث سهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له أن لا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه عليه السلام قال: قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فجاء سهيل فتكلم طويلا، ثم اتفقا على قواعد الصلح وهي:

1ـ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرجع هذا العام، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثا، معهم سلاح الراكب، السيوف فقط، ولا تتعرض قريش لهم بأي نوع من أنواع التعرض

2ـ وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض

3ـ من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءا من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق.

4ـ من أتى محمدا من قريش من غير إذن وليه ـ أي هاربا منهم ـ رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد ـ أي هاربا منه ـ لم يرد عليه.

 هذه هي حقيقة بنود هذه الهدنة، لكن هناك ظاهرتان عمت لأجلهما المسلمين كآبة وحزن شديدين، الأولى: أي النبي صلى الله عليه وسلم، كان قد أخبرهم أنهم سيأتون البيت فيطوفون به، فماله يرجع ولم يطف به؟ الثانية: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الحق، والله وعد بإظهار دينه، فماله قبل ضغط قريش، وأعطى الدنية في الصلح؟ كانت هاتان الظاهرتان مثار الريب والشكوك والوساوس والظنون. وصارت مشاعر المسلمين لأجلهما جريحة، بحيث غلب الهم والحزن على التفكير في عواقب بنود الصلح. ولعل أعظمهم حزنا كان عمر بن الخطاب، فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، لن يضيعني أبدا. قال: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به.

ثم انطلق عمر متغيظا فأتى أبا بكر، فقال له كما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه أبو بكر، كما رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، وزاد فاستمسك بغرزه (أي بأمره) حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق.

ثم نزلت {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} إلخ، فأرسل رسول الله إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم، فطابت نفسه ورجع.

ثم ندم عمر على ما فرط منه ندما شديدا. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا.

إبرام الصلح ورد أبى جندل :

بعد الاتفاق على شروط الصلح دعا الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ليكتب الكتاب، فأملى عليه "بسم الله الرحمن الرحيم "فقال سهيل: أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا بذلك. ثم أملى: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك. ولكن اكتب محمد بن عبدالله، فقال: إني رسول الله وإن كذبتموني، وأمر عليا أن يكتب محمد بن عبدالله، ويمحو لفظ رسول الله فأبى علي أن يمحو هذا اللفظ، فمحاه صلى الله عليه وسلم بيده، ثم تمت كتابة الصحيفة.

 ولما تم الصلح دخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وكانوا حلفاء بني هاشم منذ عهد عبد المطلب، فكان دخولهم في هذا العهد تأكيدا لذلك الحلف القديم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش.

وبينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف (أي يسير ببطء) في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. فقال: فوالله إذا لا أقاضيك على شيء أبدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلي فافعل، قال: ما أنا بفاعل. وقد ضرب سهيل أبا جندل في وجهه، وأخذ بتلابيبه (أي جمع عليه ثوبه عند صدره) وجره؛ ليرده إلى المشركين، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل اصبر، واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم.

فوثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، ويدني قائم السيف منه، يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية.

فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين: منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف، وعبدالله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص ، ومكرز بن حفص وهو يومئذ كافر مشرك، وعلى بن أبي طالب، و كان هو كاتب الصحيفة.

النحر والحلق للحل عن العمرة :

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتابة الصلح قال: قوموا، فانحروا، فوالله ما قام منهم أحد، حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك (أي تذبح الهدي، والبدنة: الناقة) وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا. وكانوا نحروا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم جملا كان لأبي جهل، كان في أنفه برة من فضة (البرة أكبر من الحمصة قليلا) ليغيظ به المشركين، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا بالمغفرة وللمقصرين مرة.