Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

محمد صلى الله عليه وسلم

استعداد قريش لمعركة ناقمة :

كانت مكة تحترق غيظا على المسلمين مما أصابها في معركة بدر من مأساة الهزيمة وقتل الصناديد والأشراف، وكانت تجيش فيها نزعات الانتقام وأخذ الثأر، حتى إن قريشا كانوا قد منعوا البكاء على قتلاهم في بدر، ومنعوا من الاستعجال في فداء الأسارى؛ حتى لا يتفطن المسلمون مدى مأساتهم وحزنهم.

وعلى إثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين، تشفي غيظها، وأخذت في الاستعداد للخوض في مثل هذه المعركة.

وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبدالله بن أبي ربيعة أكثر زعماء قريش نشاطا وتحمسا لخوض المعركة.

وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا العير التي كان قد نجا به أبو سفيان والتي كانت سببا لمعركة بدر، وقالوا للذين كانت فيها أموالهم: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا، فأجابوا لذلك، فباعوها، وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، وفي ذلك أنزل الله تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} [36.9].

ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الأحابيش وكنانة وأهل تهامة وأخذوا لذلك أنواعا من طرق التحريض، حتى إن صفوان بن أمية أغرى أبا عزة الشاعر ـ الذي كان أسر في بدر فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلق سراحه بغير فدية وأخذ منه العهد بأن لا يقوم ضده ـ أغراه على أن يقوم بتحريض القبائل ضد المسلمين وعاهده أنه إن رجع عن الغزوة حيا يغنيه، وإلا يكفل بناته، فقام أبو عزة بتحريض القبائل بأشعاره، كما اختاروا شاعرا آخر ـ هو مسافع بن عبد مناف الجمحي ـ لنفس المهمة. وكان أبو سفيان أشد تحريضا على المسلمين بعد ما رجع من غزوة السويق خائبا لم ينل ما في نفسه بل أضاع مقدارا كبيرا من تمويناته في هذه الغزوة.

وزاد الطين بلة ما أصاب قريشا أخيرا في سرية زيد بن حارثة من الخسارة الفادحة التي هدت اقتصادها، وزودها من الحزن والهم ما لا طاقة لهم به، وحينئذ زادت سرعة قريش في استعدادها للخوض في معركة تفصل بينهم وبين المسلمين.

تحرك جيش المشركين :

ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش ورأى قادة قريش أن يستصحبوا معهم النساء، حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم، وكان عدد هؤلاء النسوة خمس عشرة امرأة، وكان سلاح النقليات في هذا الجيش ثلاثة آلاف بعير ومن سلاح الفرسان مائتا فرس أراحوها طول الطريق، وكان من سلاح الوقاية سبعمائة درع.

وكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان بن حرب، وقيادة الفرسان إلى خالد بن الوليد، يعاونه عكرمة بن أبي جهل، أما اللواء، فكان إلى بني عبد الدار.

تحرك الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام نحو المدينة، وكانت الثارات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب، ويشف عما سوف يقع من قتال مرير.

وتابع جيش مكة سيره على الطريق الغربية الرئيسية المعتادة، ولما وصل إلى الأبواء اقترحت هند بنت عتبة ـ زوج أبي سفيان ـ بنبش قبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن قادة الجيش رفضوا هذا الطلب، وحذروا من العواقب الوخيمة التي تلحقهم لو فعلوا ذلك

ثم واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة، فسلك وادي العقيق ثم انحرف منه إلى ذات اليمين، حتى نزل قريبا بجبل أحد في مكان يقال له عينين، شمال المدينة  فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة.

الاستخبارات النبوية تكشف حركة العدو :

وكان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضمنها جميع تفاصيل الجيش.

وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة، وأسرع في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة والمدينة التي تبلغ مسافتها خمسمائة كيلو مترا ـ في ثلاثة أيام، وسلم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد قباء.

قرأ الرسالة على النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب فأمره بالكتمان، وعاد مسرعا إلى المدينة، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار.

وظلت المدينة في حالة استنفار عام، لا يفارق رجالها السلاح، حتى وهم في الصلاة، استعدادا للطوارئ.

وقامت قوة من الأنصار ـ فيهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة ـ بحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح.

وقامت على مداخل المدينة وأنقابها قوات تحرسها، خوفا من أن يؤخذوا على غرة.

وقامت دوريات من المسلمين ـ لاكتشاف تحركات العدو ـ تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين.

النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه لوضع خطة الدفاع :

نقلت استخبارات المدينة أخبار جيش مكة خبرا بعد خبر، حتى الخبر الأخير عن معسكره، وحينئذ عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا استشاريا عسكريا أعلى تبادل فيه الرأي لاختيار الموقف، وأخبرهم عن رؤيا رآها، قال: إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا يذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما (أي كسور في حروفه) ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول الدرع بالمدينة.

ثم قدم رأيه إلى صحابته أن لا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على مداخل الأزقة، والنساء من فوق البيوت،  ووافقه على هذا الرأي عبدالله بن أبي بن سلول ـ رأس المنافقين ـ وكان قد حضر المجلس بصفته أحد زعماء الخزرج، ويبدو أن موافقته لهذا الرأي لم تكن لأجل أن هذا هو الموقف الصحيح من حيث الوجهة العسكرية، بل ليتمكن  من التباعد عن القتال دون أن يعلم بذلك أحد، وشاء الله أن يفتضح هو وأصحابه ـ لأول مرة ـ أمام المسلمين، وينكشف عنهم الغطاء الذي كان كفرهم ونفاقهم يستتر وراءه، ويتعرف المسلمون في أحرج ساعاتهم على الأفاعي التي كانت تتحرك تحت ملابسهم وأكمامهم.

فقد بادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، فأشاروا علي النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، حتى قال قائلهم: يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم.

وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة.

ورفض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه أمام رأي الأغلبية، واستقر الرأي على الخروج من المدينة واللقاء في الميدان السافر

تكوين الجيش الإسلامي ورفض مساعدة اليهود :

وكان الجيش متألفا من ألف مقاتل، فيهم مائة دارع وخمسون فارسا، وقيل لم يكن معهم من الفرسان أحد، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة وأذن بالرحيل، فتحرك الجيش نحو الشمال.

ولما جاوز ثنية الوداع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة حسنة التسليح منفردة عن الجيش، فسأل عنها، فأخبر أنهم اليهود، من حلفاء الخزرج يرغبون المساهمة في القتال ضد المشركين، فسأل هل أسلموا؟ فقالوا: لا، فأبي أن يستعين بأهل الكفر على أهل الشرك.

النبي صلى الله عليه وسلم يستعرض الجيش :

وعندما وصل إلى مكان يقال له "الشيخان" استعرض جيشه فرد من استصغره ولم يره مطيقا للقتال، وكان منهم عبدالله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد وأسيد بن ظهير وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم وعرابة بن أوس وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري، وزيد بن حارثة الأنصاري، وسعد بن حبة ويذكر في هؤلاء البراء بن عازب .

وأجاز رافع بن خديج وسمرة بن جندب على صغر سنهما، وذلك أن رافع بن خديج كان ماهرا في رماية النبل فأجازه، فقال سمرة أنا أقوى من رافع أنا أصرعه، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أمرهما أن يتصارعا أمامه فتصارعا، فصرع سمرة رافعا فأجازه أيضا.

وفي هذا المكان أدركهم المساء، فصلى المغرب ثم صلى العشاء، وبات هنالك، واختار خمسين رجلا لحراسة المعسكر يتجولون حوله، وكان قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري بطل سرية كعب بن الأشرف، وتولي ذكوان بن عبد قيس حراسة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

تمرد عبد الله بن أبي وأصحابه :

وقبل طلوع الفجر بقليل سار بالجيش حتى إذا كان بالشوط صلى الفجر، وكان بمقربة جدا من العدو فقد كان يراهم ويرونه، وهناك تمرد عبد الله بن أبي المنافق، فانسحب بنحو ثلث العسكر ـ ثلاثمائة مقاتل ـ قائلا: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ومتظاهرا بالاحتجاج بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك رأيه وأطاع غيره.

ولا شك أن سبب هذا الانعزال لم يكن هو ما أبداه هذا المنافق من رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه وإلا لم يكن لسيره مع الجيش النبوي إلى هذا المكان معنى ، ولو كان هذا هو السبب لانعزل عن الجيش منذ بداية سيره، بل كان هدفه الرئيسي من هذا التمرد ـ في ذلك الظرف الدقيق ـ أن يحدث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوهم حتى يتفرق عامة الجيش عن النبي صلى الله عليه وسلم وتنهار معنويات من يبقى معه بينما يتشجع العدو وتعلو همته لرؤية هذا المنظر، فيكون ذلك أسرع إلى القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المخلصين، ويصفو بعد ذلك الجو لعودة الرياسة إلى هذا المنافق وأصحابه.

وكاد المنافق ينجح في تحقيق بعض ما كان يهدف إليه، فقد همت طائفتان ـ بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج ـ أن تفشلا ولكن الله تولاهما فثبتتا بعد ما سرى فيهما الاضطراب وهمتا بالرجوع والانسحاب، وعنهما يقول الله تعالى: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا، والله وليهما، وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [3 : 122 ].

وحاول عبد الله بن حرام ـ والد جابر بن عبد الله ـ تذكير هؤلاء المنافقين بواجبهم في هذا الظرف الدقيق، فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع، ويقول تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم عبد الله بن حرام قائلا: أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.

وفي هؤلاء المنافقين يقول الله تعالى {وليعلم الذين نافقوا، وقيل لهم تعالوا، قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، والله أعلم بما يكتمون}. [167:3].

النبي صلى الله عليه وسلم يرسم خطة المعركة :

نفذ رسول الله صلي الله عليه وسلم، حتى نزل الشعب من جبل أحد، في عدوة الوادي (أي جانب الوادى) فعسكر بجيشه مستقبلا المدينة، وجاعلا ظهره إلي هضاب جبل أحد، وعلي هذا صار جيش العدو فاصلا بين المسلمين وبين المدينة.

وهناك عبأ رسول الله صلي الله عليه وسلم جيشه، وهيأهم صفوفا للقتال، فانتخب منهم فصيلة من الرماة الماهرين، قوامها خمسون مقاتلا، وأعطى قيادتها لعبد الله بن جبير النعمان الأنصاري الأوسي البدري، وأمرهم بالتمركز علي جبل يقع علي الضفة الجنوبية من وادي قناة ـ الذى عرف فيما بعد بجبل الرماة ـ جنوب شرق معسكر المسلمين، علي بعد حوالي مائة وخمسين مترا من مقر الجيش الإسلامي.

والهدف من ذلك هو ما أبداه رسول الله صلي الله عليه وسلم في كلماته التي ألقاها إلي هؤلاء الرماة فقد قال لقائدهم: انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتون من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. ثم قال للرماة احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشاركونا، وفي رواية البخاري أنه قال:إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم. وبتعيين هذه الفصيلة في الجبل مع هذه الأوامر العسكرية الشديدة سد رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلمة الوحيدة التي كان يمكن لفرسان المشركين أن يتسللوا من ورائها إلى صفوف المسلمين، ويقوموا بحركات الالتفاف وعملية التطويق.

أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام، يسانده المقداد بن الأسود، وكان إلى الزبير مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد، وجعل في مقدمة الصفوف نخبة ممتازة من شجعان المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة، والذين يوزنون بالآلاف.

وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3 هـ.

ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم الناس عن الأخذ في القتال حتى يأمرهم، وحضهم على المصابرة والجلاد عند اللقاء.

أبو دجانة :

أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه، ثم أخرج سيفا باترا ونادى أصحابه: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال ليأخذوه ـ منهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب ـ حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني، قال:أنا آخذه بحقه يا رسول الله فأعطاه إياه.

وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يحب الفخر عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت، فلما أخذ السيف عصب رأسه بتلك العصابة، وجعل يتبختر بين الصفين، وحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن.

تعبئة الجيش المكي :

أما المشركون فعبأوا جيشهم حسب نظام الصفوف، فكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان صخر بن حرب الذي تمركز في قلب الجيش، وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد ـ وكان إذ ذاك مشركا ـ وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، وعلى رماة النبل عبدالله بن أبي ربيعة.

أما اللواء فكان إلى مجموعة مختارة من بني عبدالدار، وقد كان ذلك منصبهم منذ أن اقتسمت بنو عبد مناف المناصب التي ورثوها من قصي بن كلاب ، وكان لا يمكن لأحد أن ينازعهم في ذلك، تقيدا بالتقاليد التي ورثوها كابرا عن كابر، لكن القائد العام ـ أبا سفيان ـ ذكرهم بما أصاب قريشا يوم بدر حين أسر حامل لوائهم النضر بن الحارث، وقال لهم ليستفز غضبهم ويثير حميتهم: يا بني عبد الدار، قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه.

ونجح أبو سفيان في هدفه، فقد غضب بنو عبدالدار لقول أبي سفيان أشد الغضب، وقالوا له: نحن نسلم إليك لواءنا؟! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع. وقد ثبتوا عند احتدام المعركة حتى أبيدوا عن بكرة أبيهم.

قريش تحاول إيقاع الفرقة في صفوف المسلمين :

وقبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين، فقد أرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول لهم: "خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم" ولكن أين هذه المحاولة أمام الإيمان الذي لا تقوم له الجبال، فقد رد عليه الأنصار ردا عنيفا، وأسمعوه ما يكره.

واقتربت ساعة الصفر، وتدانت الفئتان، فقامت قريش بمحاولة أخرى لنفس الغرض، فقد خرج إليهم عميل خائن يسمى أبا عامر الفاسق ـ واسمه عبد عمرو بن صيفي، وكان يسمى الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وكان رأس الأوس في الجاهلية. فلما جاء الإسلام تكبر وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه، ومالوا معه ـ فكان أول من خرج إلى المسلمين في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى قومه وتعرف عليهم، وقال يا معشر الأوس، أنا أبو عامر. فقالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر (ولما بدأ القتال قاتلهم قتالا شديدا ورماهم بالحجارة).

وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية للتفريق بين صفوف أهل الإيمان ويدل عملهم هذا على ما كان يسيطر عليهم من خوف المسلمين وهيبتهم، مع كثرتهم وتفوقهم في العدد والعدة.

نسوة قريش يحمسن جيش المشركين :

قامت نسوة قريش بنصيبهن من المشاركة في المعركة، تقودهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، فكن يتجولن في الصفوف، ويضربن بالدفوف، يستنهضن الرجال، ويحفزن على القتال، ويثرن حفائظ الأبطال، ويحركن مشاعر أهل الطعان والضراب والنضال، فتارة يخاطبن حملة اللواء فيقلن:

ويها بني عبدالدار               ويها حماة الأدبار

                        ضربا بكل بتار

(ويها: كلمة للإغراء والتحفيز)

 وتارة يحفزن قومهن على القتال وينشدن:

إن تقبلوا نعانق                  ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق                 فراق غير وامق

بداية المعركة :

وتقارب الجمعان، وتدانت الفئتان، وبدأت مراحل القتال، وكان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان من أشجع فرسان قريش، يسميه المسلمون كبش الكتيبة، خرج وهو راكب على جمل، يدعو إلى المبارزة، فأحجم عنه الناس لفرط شجاعته، ولكن تقدم إليه الزبير، ولم يمهله بل وثب إليه وثبة الليث، حتى صار معه على جمله، فألقاه عنه وذبحه بسيفه.

 ورأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصراع الرائع، فكبر وكبر المسلمون، وأثنى على الزبير، وقال في حقه: إن لكل نبي حواريا، وحواريي الزبير.

واقتتل الناس حتى حميت الحرب ،وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم يوم أحد أمت أمت

إبادة حملة لواء المشركين :

اندلعت نيران المعركة، واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان، وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فقد تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء بعد قتل قائدهم طلحة بن أبي طلحة، فحمله أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة، وتقدم للقتال فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب، فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه، حتى وصلت إلى سرته فبانت رئته.

ثم رفع اللواء أبوسعد بن أبي طلحة، فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته فأدلع لسانه ومات لحينه. ثم رفع اللواء مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح بسهم فقتله، فحمل اللواء بعده أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فانقض عليه الزبير بن العوام حتى قتله، ثم حمل اللواء أخوهما الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة، فطعنه طلحة بن عبيد الله طعنة قضت على حياته.

هؤلاء ستة نفر من بيت واحد، بيت أبي طلحة عبدالله بن عثمان بن عبد الدار، قتلوا جميعا حول لواء المشركين، ثم حمله من بني عبد الدار أرطاة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، ثم حمله شريح بن قارظ فقتله قزمان ـ وكان منافقا قاتل مع المسلمين حمية، لا عن الإسلام ـ ثم حمله أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري، فقتله قزمان أيضا، ثم حمله ولد لشرحبيل بن هاشم العبدري فقتله قزمان أيضا.

فهؤلاء عشرة من بني عبد الدار ـ من حملة اللواء ـ أبيدوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد يحمل اللواء، فتقدم غلام لهم حبشي ـ اسمه صواب ـ فحمل اللواء، وأبدى من صنوف الشجاعة والثبات ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله، فقد قاتل حتى قطعت يداه، فبرك على اللواء بصدره وعنقه، لئلا يسقط حتى قتل.

وبعد أن قتل هذا الغلام سقط اللواء على الأرض، ولم يبق أحد يحمله، فبقي ساقطا.

وبينما كان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، كان القتال المرير يجري في سائر نقاط المعركة، وكانت روح الإيمان قد سادت صفوف المسلمين، فانطلقوا خلال جنود الشرك انطلاق الفيضان تنقطع أمامه السدود، وهم يقولون "أمت، أمت أمت"

شجاعة أبي دجانة :

أقبل أبو دجانة معلما بعصابته الحمراء، آخذا بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم مصمما على أداء حقه،وجعل لا يلقى مشركا إلا قتله، وأخذ يهد صفوف المشركين هدا. قال الزبير بن العوام: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة، وقلت ـ أي في نفسي ـ: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه، فسألته إياه قبله فآتاه إياه وتركني، والله لأنظرن ما يصنع؟ فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، فخرج وهو يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي                     ونحن بالسفح لدى النخيل

أن لا أقوم الدهر في الكيول                أضرب بسيف الله والرسول

فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، كان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا زفف عليه (أي أجهز عليه)، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته (أي بدرعه)، فعضت بسيفه (أي أتلفت سيف المشركفضربه أبو دجانة فقتله.

ثم أمعن أبو دجانة في هد الصفوف، حتى خلص إلى قائدة نسوة قريش، وهو لا يدري بها قال أبو دجانة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا(أي ينال منهم بالكلام أو بالإصابة) فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة.

وكانت تلك المرأة هي هند بنت عتبة، قال الزبير بن العوام: رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها، فقلت: الله ورسوله أعلم.

وظل أبو دجانة شوكة في حلوق المشركين حتى نهاية المعركة ،وقتل منهم الكثير

قال كعب بن مالك: كنت فيمن خرج من المسلمين، فلما رأيت تمثيل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت، فإذا رجل من المشركين، جمع اللأمة (أي السلاح) يجوز المسلمين (أي يمر بينهم) وهو يقول: استوسقوا (أي تجمعوا وانضموا) كما استوسقت جزر الغنم، وإذا رجل من المسلمين ينتظره، وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب ؟ أنا أبو دجانة.

مصرع أسد الله حمزة بن عبد المطلب :

يقول قاتل حمزة وحشي بن حرب: كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد قتل (أي قتل) يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق. قال: فخرجت مع الناس ـ وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطئ بها شيئا ـ فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق (أي الذي في لونه بياض وسواد، والمراد القوي) يهد الناس هدا ما يقوم له شئ، فوالله إني لأتهيأ له أريده، فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني، إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة ضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه (تعبير يراد به المبالغة في الإصابة).

قال: وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه، فوقعت في ثنته (أحشائه) حتى خرجت من بين رجليه، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر، فقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، وإنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت.

من أحضان المرأة إلى مقارعة السيوف :

وكان من الأبطال المغامرين يومئذ حنظلة الغسيل، وهو حنظلة بن أبي عامر، وكان حنظلة حديث عهد بالعرس، فلما سمع هواتف الحرب ـ وهو على امرأته ـ انخلع من أحضانها، وقام من فوره إلى الجهاد، فلما التقى بجيش المشركين في ساحة القتال، أخذ يشق الصفوف، حتى خلص إلى قائد المشركين أبي سفيان صخر بن حرب، وكاد يقضي عليه لولا أن أتاح الله له الشهادة، فقد شد على أبي سفيان فلما تمكن منه رآه شداد بن الأسود فضربه حتى قتله.

فصيلة الرماة تقوم بواجبها :

وكانت للفصيلة التي عينها الرسول صلى الله عليه وسلم على جبل الرماة يد بيضاء في إدارة دفة القتال لصالح الجيش الإسلامي، فقد هجم فرسان مكة بقيادة خالد بن الوليد يسانده أبو عامر الفاسق، ثلاث مرات ليحطموا جناح الجيش الإسلامي الأيسر، حتى يتسربوا إلى ظهور المسلمين، فيحدثوا البلبلة والارتباك في صفوفهم، وينزلوا عليهم هزيمة ساحقة، ولكن هؤلاء الرماة رشقوهم بالنبل حتى فشلت هجماتهم الثلاث.

الهزيمة تنزل بالمشركين :

هكذا دارت رحى الحرب، وظل الجيش الإسلامي الصغير مسيطرا على الموقف كله، حتى خارت عزائم أبطال المشركين، وأخذت صفوفهم تتبدد عن اليمين والشمال والأمام والخلف، كأن ثلاثة آلاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم، لا بضع مئات قلائل، وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين.

وبعد أن بذلت قريش أقصى جهدها لصد هجوم المسلمين أحست بالعجز والخور، وانكسرت همتها ـ حتى لم يجترئ أحد منها أن يدنو من لوائها الذي سقط، فيحمله ليدور حوله القتال ـ فأخذت في الانسحاب، ولجأت إلى الفرار، ونسيت ما كانت تتحدث به في نفوسها من الأخذ الثأر والانتقام، وإعادة العز والمجد والوقار.

ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها، روى عبدالله بن الزبير عن أبيه أنه قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم (أي سيقان) هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير وتبع المسلمون المشركين، يضعون فيهم السلاح فيقتلونهم، وينتهبون الغنائم.

غلطة الرماة الفظيعة :

وبينما كان الجيش الإسلامي الصغير يسجل مرة أخرى نصرا ساحقا على مكة لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة قلبت الوضع تماما، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين، وكادت تكون سببا في مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تركت أسوأ أثر فى سمعتهم والهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر.

فعلى الرغم من الأوامر الشديدة التي أصدرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء الرماة، بلزومهم موقفهم من الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة؛ لما رأى الرماة أن المسلمين ينتهبون غنائم العدو، غلبت عليهم أثارة من حب الدنيا، فقال بعضهم لبعض: الغنيمة الغنيمة، ظهر أصحابكم (أي غلبوا) فما تنتظرون؟

 أما قائدهم عبدالله بن جبير، فقد ذكرهم أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

ولكن الأغلبية الساحقة لم تلق لهذا التذكير بالا، وقالت: والله لنأتين الناس فنصيبن من الغنيمة، ثم غادر أربعون رجلا من هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل، والتحقوا بالجيش ليشاركوه في جمع الغنائم، وهكذا خلت ظهور المسلمين، ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة من أصحابه، التزموا مواقفهم، مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم بالنزول أو يبادوا.

خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش الإسلامي :

وانتهز خالد بن الوليد فرصة نزول الرماة من على الجبل، فاستدار بسرعة خاطفة، حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي، فلم يلبث أن أباد عبدالله بن جبير وأصحابه، ثم انقض على المسلمين من خلفهم، وصاح فرسانه صيحة فعرف المشركون المنهزمون بالتطور الجديد، فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت امرأة منهم ـ وهي عمرة بنت علقمة الحارثية ـ فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب، فالتف حوله المشركون، ولاذوا به، وتنادى بعضهم بعضا، حتى اجتمعوا على المسلمين، وثبتوا للقتال وأحيط المسلمون من الأمام والخلف، ووقعوا بين شقي الرحى.

موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق :

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ في تسعة من أصحابه في مؤخرة المسلمين، يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين، إذ بوغت بفرسان خالد بن الوليد مباغتة كاملة، فكان أمامه طريقان، إما أن ينجو بسرعة بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون، ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور، وإما أن يخاطر بنفسه، فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد.

وهناك تجلت عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم وشجاعته المنقطعة النظير، فقد رفع صوته ينادي أصحابه: عباد الله، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرا بنفسه في هذا الظرف الدقيق.

وفعلا فقد علم به المشركون فخلصوا إليه، قبل أن يصل إليه المسلمون.

تفرق المسلمين وإشاعة مقتل الرسول صلى الله عليه وسلم :

لما وقع المسلمون في التطويق طار صواب طائفة منهم، ولم يهمها إلا أنفسها، فقد أخذت طريق الفرار وتركت ساحة القتال وهي لا تدري ماذا وراءها؟ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها، وانطلق بعضهم إلى فوق الجبل، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين، والتبس الجيشان فلم يتميزوا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض، روى البخاري عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس أي عباد الله أخراكم ـ أي احترزوا من ورائكم ـ فرجعت أولاهم، فاجتلدت (أي فاقتتلت) هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي. قالت: فوالله ما احتجزوا عنه حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله.

وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد، وعمتها الفوضى، وتاه منها الكثيرون لا يدرون أين يتوجهون، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحا يصيح: إن محمدا قد قتل، فطارت بقية عقولهم، وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها، فتوقف من توقف منهم عن القتال وألقى بأسلحته مستكينا، وفكر آخرون في الاتصال بعبدالله بن أبي ـ رأس المنافقين ـ ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان.

ومر بهؤلاء أنس بن النضر، وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واها لريح الجنة يا سعد، إني أجده دون أحد، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل، فما عرف حتى عرفته أخته ـ بعد نهاية المعركة ـ ببنانه، وبه بضع وثمانون جرحا ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم.

ونادى ثابت بن الدحداح قومه، فقال: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قتل، فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم، فنهض إليه جماعة من الأنصار، فهجم بهم على كتيبة فرسان خالد بن الوليد، فما زال يقاتلهم حتى قتله خالد بالرمح وقتل أصحابه.

ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار، وهو يغرق في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.

وبمثل هذا الاستبسال والتشجيع عادت إلى جنود المسلمين روحهم المعنوية، ورجع إليهم رشدهم وصوابهم، فعدلوا عن فكرة الاستسلام أو الاتصال بابن أبي، وأخذوا سلاحهم يهاجمون تيارات المشركين، وهم يحاولون شق الطريق إلى مقر القيادة، وقد بلغهم أن خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم كذب مختلق، فزادهم ذلك قوة على قوتهم، فنجحوا في الإفلات من التطويق، وفي التجمع حول مركز منيع بعد أن باشروا القتال المرير. وجالدوا بضراوة بالغة.

وكانت هناك طائفة أخرى لم يكن يهمهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وغيرهم رضي الله عنهم كانوا في مقدمة المقاتلين، فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة ـ عليه الصلاة والسلام والتحية ـ صاروا في مقدمة المدافعين.

أحرج اللحظات في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم :

عندما بدأ المشركون عمل التطويق لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسعة نفر، فلما نادى المسلمين: هلم إلي، أنا رسول الله، سمع صوته المشركون وعرفوه، فكروا إليه وهاجموه، ومالوا إليه بثقلهم، قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين، فجرى بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف، ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة.

روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه (أي دنوا منه وأدركوه) قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه ـ أي القرشيين ـ ما أنصفنا أصحابنا، وكان آخر هؤلاء السبعة هو عمارة بن يزيد بن السكن، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط.

وبعد سقوط ابن السكن لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة بن عبيدالله وسعد بن أبي وقاص وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة، فقد ركزوا حملتهم على النبي صلى الله عليه وسلم وطمعوا في القضاء عليه، رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى (وهي السن التي بجوار الناب) وجرحت شفته السفلى، وتقدم إليه عبدالله بن شهاب الزهري، فشجه في جبهته، وجاء فارس عنيد هو عبدالله بن قميئة فضربه على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة، شكا لأجلها أكثر من شهر، إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعين اللذين كان يرتديهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضرب على وجنته صلى الله عليه وسلم ضربة أخرى عنيفة كالأولى، حتى دخلت حلقتان من حلق المغفر (أي الخوذة) في وجنته، وقال: خذها وأنا ابن قميئة. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم له وهو يمسح الدم عن وجهه: أقمأك الله.

وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته، وشج رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله عز وجل: {ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}.

 ثم مكث ساعة ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل الله نصره بالغيب، ففي الصحيحين عن سعد. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان عنه، كأشد القتال، عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد. يعني جبريل وميكائيل.

ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله قاما ببطولة نادرة، وقاتلا ببسالة منقطعة النظير، حتى لم يتركا ـ وهما اثنان فحسب ـ سبيلا إلى نجاح المشركين في هدفهم.

فأما سعد بن أبي وقاص، فقد نثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته (أي استخرج ما فيها من النبل) وقال: ارم فداك أبي وأمي، ويدل على مدى كفاءته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع أبويه لأحد غير سعد.

وأما طلحة بن عبيد الله فقد روى جابر قصة تجمع المشركين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار، قال جابر: فأدرك المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة، فقاتل قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال: حس (كلمة تأوه) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، قال: ثم رد الله المشركين.

عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.

وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه يومئذ: "من ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله".

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة.

تجمع الصحابة حول الرسول صلى الله عليه وسلم :

وقعت عملية تطويق المشركين للمسلمين وما تلاها من أحداث بسرعة هائلة، وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته صلى الله عليه وسلم ـ الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال ـ لم يكادوا يرون تطور الموقف، أو يسمعون صوته صلى الله عليه وسلم حتى أسرعوا إليه، لئلا يصل إليه شئ يكرهونه إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقي من الجراحات، وستة من الأنصار قد قتلوا، والسابع قد أثبتته الجراحات، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح، فلما وصلوا أقاموا حوله سياجا من أجسادهم وسلاحهم، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو ورد هجماتهم، وكان أول من رجع إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

 قال أبو بكر الصديق لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت أول من فاء (أي رجع) إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه ويحميه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير، حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا طلحة بين يديه صريعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دونكم أخاكم فقد أوجب، وقد رمي النبي صلى الله عليه وسلم في وجنته، حتى غابت حلقتان من حلق المغفر (وهي الخوذة) في وجنته، فذهبت لأنزعهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبوعبيدة: نشدتك بالله (أي أستحلفك بالله) يا أبا بكر إلا تركتني قال: فأخذ بفيه، فجعل ينضضه (أي يخرجه بحرص) كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استل السهم بفيه، فندرت ثنية أبي عبيدة (أي سقطت) قال أبو بكر ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال أبوعبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا ترتكني قال فأخذه فجعل ينضضه حتى استله، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دونكم أخاكم فقد أوجب قال: فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع عشرة ضربة

وخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي صلى الله عليه وسلم عصابة من أبطال المسلمين منهم أبو دجانة ومصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب، وسهل بن حنيف ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية، وقتادة بن النعمان، وعمر بن الخطاب، وحاطب بن أبي بلتعة، وأبو طلحة.

تضاعف ضغط المشركين :

كان عدد المشركين يتضاعف كل آن، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم وزاد ضغطهم على المسلمين، حتى سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فأصيبت ركبته، وأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، وقال نافع بن جبير، سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا، فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها ـ كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبدالله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته أحلف بالله أنه منا ممنوع، فخرجنا أربعة، فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك.

البطولات النادرة :

وقام المسلمون ببطولات نادرة وتضحيات رائعة، لم يعرف لها التاريخ نظيرا. كان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرفع صدره ليقيه عن سهام العدو. قال أنس: لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو طلحة بين يديه مجوب (أي متترس عليه ليمنع وصول السهام إليه) عليه بحجفة له (نوع من التروس مصنوع من الجلد) وكان رجلا راميا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل، فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال: ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم (أي يرفع رأسه) ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك.

وقام أبو دجانة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فترس عليه بظهره، والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك.

وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص ـ الذي كسر الرباعية الشريفة ـ فضربه بالسيف حتى طرح رأسه، ثم أخذ فرسه وسيفه. وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه عتبة هذا إلا أنه لم يظفر به بل ظفر به حاطب. وكان سهل بن حنيف أحد الرماة الأبطال بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، ثم قام بدور فعال في رد المشركين.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر الرماية بنفسه، فعن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها (أي رأس القوس) فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عينه حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدهما.

وقاتل عبد الرحمن بن عوف حتى أصيب يومئذ فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج.

وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته صلى الله عليه وسلم حتى أنقاه فقال: مجه (أي ابصقه) فقال: والله لاأمجه أبدا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فقتل شهيدا.

وقاتلت أم عمارة فاعترضت لابن قميئة في أناس من المسلمين فضربها ابن قميئة على عاتقها ضربة تركت جرحا أجوف، وضربت هي ابن قميئة عدة ضربات بسيفها، لكن كانت عليه درعان فنجا، وبقيت أم عمارة تقاتل حتى أصابها اثنا عشر جرحا.

وكان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك. وقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة. فخرج معه فقتل.

وقاتل مصعب بن عمير بضراوة بالغة، يدافع عن النبي صلي الله عليه وسلم هجوم ابن قميئة وأصحابه، وكان اللواء بيده، فضربوه على يده اليمنى حتى قطعت، فأخذ اللواء بيده اليسرى، وصمد في وجوه الكفار حتى قطعت يده اليسرى، ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل، وكان الذي قتله هو ابن قميئة، وهو يظنه رسول الله ـ لشبهه به ـ فانصرف ابن قميئة إلى المشركين، وصاح: إن محمدا قد قتل.

وعاهد عبد الله بن جحش ربه على الثبات في الحرب حتى الموت ، فاستشهد رضي الله عنه ،

فعن سعد بن أبي وقاص أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تدعو الله؟ فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده (الحرد: الغضب، والمقصود القوة) أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه (أي متاعه) فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم ارزقني رجلا شديدا حرده شديدا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا: قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك صلى الله عليه وسلم فتقول: صدقت قال سعد: يا بني، كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط.

الرسول صلى الله عليه وسلم يواصل المعركة وينقذ الموقف :

لما قتل مصعب أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب، فقاتل قتالا شديدا، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة يقاتلون، ويدافعون. وحينئذ استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق فأقبل إليهم، فعرفه كعب بن مالك ـ وكان أول من عرفه ـ فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه أن اصمت؛ وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون، إلا أن هذا الصوت بلغ آذان المسلمين، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله حوالي ثلاثين رجلا من الصحابة.

ثم ألبس الرسول صلى الله عليه وسلم كعبا لأمته ولبس لأمه كعب، يقول كعب: فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة، كل من يضربني يحسبني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد هذا التجمع أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل، وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين، واشتد المشركون في هجومهم؛ لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام.

تقدم عثمان بن عبدالله بن المغيرة ـ أحد فرسان المشركين ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: لا نجوت إن نجا، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لمواجهته. إلا أن الفرس عثرت في بعض الحفر، فنازله الحارث بن الصمة، فضرب على رجله فأقعده، ثم ذفف عليه (أي أجهز عليه) وأخذ سلاحه، والتحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعطف عبدالله بن جابر ـ فارس آخر من فرسان مكة ـ على الحارث بن الصمة، فضرب بالسيف على عاتقه، فجرحه حتى حمله المسلمون، ولكن انقض أبو دجانة ـ البطل المغامر ذو العصابة الحمراء ـ على عبدالله بن جابر، فضربه بالسيف ضربة أطارت رأسه.

وأثناء هذا القتال المرير، كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله، كما تحدث عنه القرآن قال أبو طلحة: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه.

وبمثل هذه البسالة بلغت هذه الكتيبة ـ في انسحاب منظم ـ إلى شعب الجبل شقت لبقية الجيش طريقا إلى هذا المقام المأمون، فتلاحق به في الجبل

مقتل أبي بن خلف :

لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد لا نجوت إن نجا؟ فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا (أي يواجهه)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه (أي الصحابة) تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجة بين الدرع والبيضة (أي الخوذة) فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارا، فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال: قتلني والله محمد. قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله ما بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني، فمات عدو الله بسرف، وهم قافلون به إلى مكة.

آخر هجوم قام به المشركون :

ولما تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من المسلمين، قال ابن إسحاق: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل ـ يقودهم أبوسفيان وخالد بن الوليد ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.

تمثيل المشركين بشهداء المسلمين :

في هذه الأثناء كانت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدعن (أي يقطعن) الآذان والأنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما(أي خلاخيل) وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا غلام جبير بن مطعم، وأخرجت كبد حمزة فلاكتها (أي مضغتها) فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها.

النساء المسلمات في ساحة القتال :

بالإضافة إلى النساء المؤمنات اللاتي شاركن في القتال كأم عمارة، فقد جاءت نسوة من المؤمنين إلى ساحة القتال بعد نهاية المعركة، قال أنس: لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم (أي خلاخيل) سوقهما، تنقزان القرب على متونهما (أي تحملان القرب على أكتافهما وتسرعان بها) تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنهما، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم. وقال عمر: كانت أم سليط تزفر لنا القرب (أي تملأ وتحمل) يوم أحد.

وكان في هؤلاء النسوة أم أيمن، فإنها لما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة أخذت تحثو في وجوههم التراب، وتقول لبعضهم: هاك المغزل، وهلم سيفك، ثم سارعت إلى ساحة القتال، فأخذت تسقي الجرحى، فرماها حبان بن العرقة بسهم، فوقعت وتكشفت، فأغرق عدو الله في الضحك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لا نصل له، وقال: ارم به، فرمى به سعد، فوقع السهم في نحر حبان، فوقع مستلقيا حتى تكشف، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجزه، ثم قال: استقاد لها سعد (أي اقتص لها وأخذ بثأرها) أجاب الله دعوته.

وقال سهل: والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كان يسكب الماء وبما دووي؟ كانت فاطمة ابنته تغسله، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن (أي الترس) فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها، فألصقتها، فاستمسك الدم.

حديث الكفر والإيمان بين أبي سفيان وعمر بن الخطاب :

ولما تكامل تهيؤ المشركين للانصراف، أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم منعهم من الإجابة ـ ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم. فقال أما هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء

وقد أبقى الله ما يسوؤك، فقال: قد كان فيكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. (يقصد التمثيل بالشهداء)

ثم قال: اعل هبل.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه. فقالوا: فما نقول؟ قال :قولوا: الله أعلى وأجل.

ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه ؟قالوا: ما نقول ؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.

ثم قال أبو سفيان:أنعمت فعال، يوم بيوم بدر، والحرب سجال.

فأجاب عمر، وقال: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

ثم قال أبو سفيان:هلم إلي يا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائته فانظر ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدًا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليستمع كلامك الآن. قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر.

ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدرا العام القادم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينك موعد.

التثبت من موقف المشركين :

بعد أن بدأ المشركون في التوجه ناحية مكة تاركين ميدان المعركة، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فقال: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟ فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة.

تفقد القتلى والجرحى :

فرغ الناس لتفقد القتلى والجرحى بعد منصرف قريش، قال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أطلب سعد بن الربيع فقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو بآخر رمق، وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من وقته.

ووجدوا في الجرحى الأصيرم ـ عمرو بن ثابت ـ وبه رمق يسير وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام فيأباه، فقالوا: إن هذا الأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه: ما الذي جاء بك؟ أحدب (أي أشفقة) على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع الرسول فقال: هو من أهل الجنة قال أبو هريرة: ولم يصل لله صلاة قط.

 ووجدوا في الجرحى قزمان ـ وكان قد قاتل قتال الأبطال، قتل وحده سبعة أو ثمانية من المشركين ـ وجدوه قد أثبتته الجراحة، فاحتملوه إلى دار بني ظفر، وبشره المسلمون فقال: والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. فلما اشتدت به الجراح نحر نفسه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر له: إنه من أهل النار وهذا هو مصير المقاتلين في أي سبيل سوى إعلاء كلمة الله، وإن قاتلوا تحت لواء الإسلام، بل وفي جيش الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة.

جمع الشهداء ودفنهم :

وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشهداء، فقال: أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة، يدمي جرحه، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.

وكان أناس من الصحابة قد نقلوا قتلاهم إلى المدينة، فأمر أن يردوهم فيدفنوهم في مضاجعهم، وأن لا يغسلوا، وأن يدفنوا كما هم بثيابهم بعد نزع الحديد والجلود، وكان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ويجمع بين الرجلين في ثوب واحد، ويقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، ودفن عبدالله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة.

وفقدوا نعش حنظلة، فتفقدوه، فوجدوه في ناحية فوق الأرض يقطر منه الماء، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن الملائكة تغسله، ثم قال: سلوا أهله ما شأنه؟ فسألوا امرأته، فأخبرتهم أنه خرج وهو جنب ومن هنا سمي حنظلة: غسيل الملائكة.

ولما رأى ما بحمزة ـ عمه وأخيه من الرضاعة ـ اشتد حزنه، وجاءت عمته صفية تريد أن تنظر أخاها حمزة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنها الزبير أن يصرفها، كي لا ترى ما بأخيها، فقالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فأتته فنظرت إليه فصلت عليه ( دعت له) واسترجعت واستغفرت له. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفنه مع عبدالله بن جحش ـ وكان ابن أخته و أخاه من الرضاعةـ.

قال ابن مسعود: ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشع من البكاء (والنشع: الشهيق).

وكان منظر الشهداء مريعا جدا يفتت الأكباد، قال خباب: إن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء (أي كساء مخطط بالأبيض والأسود) إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه، وجعل على قدميه الإذخر(نبات طيب الرائحة).

وقال عبد الرحمن بن عوف: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة إن غطى رأسه بدت رجلاه، وإن غطى رجلاه بدا رأسه،فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطوا بها رأسه ويجعلوا على رجله الإذخر".

الرسول صلى الله عليه وسلم يثني على ربه عز وجل ويدعوه :

بعد أحداث يوم أحد العصيبة ورجوع المشركين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استووا حتى أثني على ربي عز وجل، فصاروا خلفه صفوفا فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.

اللهم إني أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا.اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب يإله الحق.

الرجوع إلى المدينة ونوادر الحب والتفاني :

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دفن الشهداء والثناء على الله والتضرع إليه انصرف راجعا إلى المدينة، وقد ظهرت له نوادر الحب والتفاني من المؤمنات الصادقات، كما ظهرت من المؤمنين في أثناء المعركة.

لقيته في الطريق حمنة بنت جحش، فنعي إليها أخوها عبدالله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زوج المرأة منها لبمكان.

ومر بامرأة من بني دينار، وقد استشهد زوجها وأخوها وأبوها بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا لها: خيرا يا أم فلان، وهو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير إليها، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل ـ تريد صغيرة.

وجاءت إليه أم سعد بن معاذ تعدو، وسعد آخذ بلجام فرسه، فقال: يا رسول الله أمي، فقال: مرحبا بها، ووقف لها، فلما دنت عزاها بابنها عمرو بن معاذ. فقالت: أما إذ رأيتك سالما، فقد اشتويت المصيبة (أي استقللتها) ثم دعا لأهل من قتل بأحد وقال: يا أم سعد أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا، وقد شفعوا في أهلهم جميعا. قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله، ادع لمن خلفوا منهم، فقال: اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، واحسن الخلف على من خلفوا.

وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء ذلك اليوم ـ يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3 هـ إلى المدينة. فلما انتهى إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني اليوم. وناولها علي بن أبي طالب سيفه فقال: وهذا أيضا فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقني اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كنت صدقت القتال، لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة.

غزوة حمراء الأسد :

بات المسلمون في المدينة ـ ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ بعد الرجوع عن معركة أحد ـ وهم في حالة طوارئ، باتوا وقد أنهكهم التعب، يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، إذ كانت تتلاحقهم الشبهات من كل جانب.

وبات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يفكر في الموقف، فقد كان يخاف أن المشركين إن فكروا في أنهم لم يستفيدوا شيئا من الجولة التي كسبوها في ساحة القتال، فلا بد من أن يندموا على ذلك، ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة مرة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة للجيش المكي.

قال أهل المغازي ما حاصله: أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى في الناس، وحثهم على المسير إلى لقاء العدو، وذلك صباح الغد من معركة أحد، أي يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ، وقال:لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له عبدالله بن أبي: أركب معك؟ قال: لا، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد، والخوف المزيد، وقالوا: سمعا وطاعة، واستأذنه جابر بن عبدالله، وقال: يا رسول الله، إني أحب أن لا تشهد مشهدا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته، فأذن لي أسير معك، فأذن له.

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، حتى بلغوا حمراء الأسد، على بعد ثمانية أميال من المدينة فعسكروا هناك.

وهناك أقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان على شركه، ولكنه كان ناصحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بين خزاعة وبني هاشم من الحلف، فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله عافاك ـ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق أبا سفيان فيخذله (أي يخوفه ويثنيه عن عزمه).

ولم يكن ما خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إلا حقا فإنهم لما نزلوا بالروحاء على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم وحدهم ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم (أي نقضي عليهم).

ويبدو أن هذا الرأي جاء سطحيا ممن لم يكن يقدر قوة الفريقين ومعنوياتهم تقديرا صحيحا، ولذلك خالفهم زعيم مسئول "صفوان بن أمية" قائلا: يا قوم، لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج (أي من المسلمين في غزوة أحد) فارجعوا والدولة لكم (أي الغلبة) فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم، إلا أن هذا الرأي رفض أمام رأي الأغلبية الساحقة، وأجمع جيش مكة على المسير نحو المدينة، ولكن قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه من مقره لحقه معبد بن أبي معبد الخزاعي، فقال: ما وراءك يا معبد ؟ فقال معبد، وقد شن عليه حرب أعصاب دعائية عنيفة : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنق (أي الغيظ) عليكم شئ لم أر مثله قط.

قال أبو سفيان: ويحك، ما تقول؟

قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة (الأكمة:المكان المرتفع، ويقصد سرعة قدوم جيش المسلمين).

فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة (أي اعتزمنا الرجوع) عليهم لنستأصلهم.

قال: فلا تفعل: فإني ناصح.

وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي وأخذه الفزع والرعب، فلم ير العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة، لكن أبو سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي لعله ينجح في كف هذا الجيش عن مواصلة المطاردة، وبالتالي ينجح في الاجتناب عن لقائه، فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة وأوقر (أي أملأ) لكم راحلتكم هذه زبيبا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟

قالوا: نعم

قال: فأبلغوا محمدا أنا قد أجمعنا الكرة؛ لنستأصله ونستأصل أصحابه

فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم بحمراء الأسد، فأخبروهم بالذي قاله أبو سفيان، وقالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزاد هذا القول المسلمين حماسة وإيمانا [وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم].

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء ،9/10/11 شوال سنة 3 هـ، ثم رجع إلى المدينة، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الرجوع إلى المدينة أبا عزة الجمحي ـ وهو الذي كان قد من عليه من أسارى بدر؛ لفقره وكثرة بناته، على أن لا يعادي عليه أحدا، ولكنه نكث وغدر فحرض الناس بشعره على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وخرج لمقاتلتهم في أحد ـ فلما أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد أقلني (أي اعف عني) وامنن علي، ودعني لبناتي، وأعطيك عهدا أن لا أعود لمثل ما فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدا مرتين(العارضان:جانبا الوجه، والمراد أنه يقول باستخفاف واستهزاء) لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ثم أمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه.

كما حكم بالإعدام في جاسوس من جواسيس مكة، وهو معاوية بن المغيرة بن أبي العاص جد عبد الملك بن مروان لأمه، وذلك أنه لما رجع المشركون يوم أحد جاء معاوية هذا إلى ابن عمه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فاستأمن له عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاثة أيام قتله، فلما خلت المدينة من الجيش الإسلامي أقام فيها أكثر من ثلاث يتجسس لحساب قريش، فلما رجع الجيش خرج معاوية هاربا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعمار بن ياسر فتعقباه حتى قتلاه.

ومما لا شك فيه أن غزوة حمراء الأسد ليست بغزوة مستقلة، إنما هي جزء من غزوة أحد وتتمة لها، وصفحة من صفحاتها.